الاثنين، 21 مايو 2012

من أقوال الأب الروحاني المعروف بالشيخ «تعليم للمبتدئين» 4




من أقوال الأب الروحاني المعروف بالشيخ
«تعليم للمبتدئين»
4

 
قال شيخٌ بخصوصِ قبولِ الغرباءِ: «إن كنتَ نبياً وصدِّيقاً، ولا تقبل من يأتيك مثل نبيٍ وصديق، فليس لك أجرٌ، وإن لم تكن نبياً ولا صدِّيقاً، ولكنك قبلتَ من أتاك مثلَ نبيٍ وصديق، فأجرُ نبيٍ وصديقٍ تأخذ».
وقال أيضاً: «إذا تقدمتَ لأخذ القربان لا تفكر أنك أهلٌ لذلك، ولكن اعتبر أنك خاطئٌ، واجعل في نفسِك أن الخاطئَ إذا تقدم إلى المخلصِ بإيمانٍ، وتحفَّظَ كنحوِ قوَّتِه، استحق أن ينالَ مغفرةَ خطاياه. فتقدم بتوبةٍ، واعتقد في نفسِك أنك مريضٌ وغيرُ مستحقٍ، بل مثل مجروحٍ ومحتاجٍ إلى الشفاءِ، وآمن أنك تتقدَّس بأخذ القربان، إذا كنتَ على توبةٍ، لأن كلَّ الذين تقدموا إليه بإيمانٍ شُفوا».
قال القديس غريغوريوس: «إن كنتَ غيرَ مذنبٍ عند الإله، فلا تغفر للمذنبين إليكَ، وإن كنتَ تعلم أنك مذنبٌ، فَسَلِّف الرحمةَ وقدِّمها قدامك، فإن اللهَ يضاعف الرحمةَ للرحومين».
قال القديسُ فم الذهب: «إن أردتَ أن لا يتأتى لك حزنٌ فلا تُحزن إنساناً ما».
قال مار أفرام: «إنَّ أعظمَ الناسِ قدراً من لا يبالي بالدنيا، في يد من كانت؟».
وقال أيضاً: «ازهد في الدنيا فيحبك الله، وازهد فيما بين أيدي الناسِ، فيحبك الناسُ».
كما قال: «خبزٌ وملحٌ مع سكوتٍ وراحةٍ، أفضل من أطعمةٍ شريفةٍ مع همومٍ وأحزانٍ».
من أقوال مار إسحق بخصوص التوبةِ: «التوبةُ هي أمُّ الحياةِ، تفتح لنا بابَها بواسطة الفرارِ من الكلِّ. نعمةُ المعموديةِ التي ضيعناها بانحلال سيرتنا، تجددها فينا التوبةُ بواسطةِ إفرازِ العقلِ. من الماءِ والروحِ لبسنا المسيح ولم نحس بمجدِهِ، وبالتوبةِ ندخلُ نعيمَهُ، بنعمةِ الإفرازِ التي بنا تظهر. العادم من التوبةِ، خائبٌ من النعيمِ المزمع أن يكونَ. القريبُ من الكلِّ بعيدٌ من التعزيةِ، أما المبتعدُ من الكلِّ بإفرازٍ، فهو تائبٌ بحقٍّ. بدءُ التوبةِ هو الاتضاع الذي بلا (      ) ولا زيٍّ كاذبٍ مسجس. التوبةُ هي لِباس الثياب الحسنةِ الضوئية. طريقُ الحكمةِ هي ترتيب الأعضاء. طموحُ الجسدِ هو تخبط الحكمة.
الحكمةُ الحقيقيةُ هي النظرُ باللهِ، والنظر بالله هو صمتُ الأفكارِ. الإحساس بالله هو عمقُ الاتضاعِ. ثاؤرية تصور الحق، هي ميتوتة القلبِ. القلبُ الذي بالحقيقة مات عن العالمِ فباللهِ يتحركُ جميعُه، الذي يبني نفسَه أخْـيَر له من أن ينفعَ المسكونةَ جميعَها، أخْـيَر له أن يأخذَ هو الحياةَ، من أن يقسمَ الحياةَ لآخرين. من قد ماتت أعضاؤه الخارجية، فقد عاشت أعضاؤه الداخلية. التواضع بإفرازٍ هو بمعرفة الحقِ، ومعرفةُ الحقِ هي ينبوع الاتضاع. المتضعُ بقلبهِ متضعٌ بجسدهِ أيضاً، والمتوقح بجسدِهِ متوقحٌ كذلك بقلبهِ. والمضطرب بجسدِهِ، مضطربٌ أيضاً بقلبهِ، والمضطربُ بقلبهِ جاهلٌ بعقلهِ، ومن هو جاهلٌ بعقلهِ رديئةٌ هي طرقهُ، ومن كانت طرقهُ رديئةً فهو مائتٌ بالحياةِ.
إن كنتَ محباً للتواضعِ فلا تكن محباً للزينةِ، لأن الإنسانَ الذي يحبُ الزينةَ، لا يقدر أن يحتملَ الازدراءَ، ولا يسرع إلى ممارسةِ الأعمالِ الحقيرةِ، ويصعب عليه جداً أن يخضعَ لمن هو دونه، ويخجل من ذلك. أما المتعبدُ للهِ، فإنه لا يزيِّن جسدَه. واعلم أنَّ كلَّ من يحبُ زينةَ الجسدِ فهو ضعيفٌ بفكرتِه، ولا تَرى له حسناتٍ. وكل من يحبُ الربحَ المنظورَ، لا يقدر أن يقتني محبةً حقيقيةً مع أحدٍ، وكل من يُسرع إلى الكرامةِ، فإنه متعبدٌ لهذا العالمِ، إن كنتَ تكره فاعلي هذا، فابعد عن فعلهم.
الاتضاع والعفة يتعاضدان بالمحقرةِ، والذي يحب الزينةَ والكرامةَ لا تسأله عن حقيقتهما. إن كنتَ محباً للعفةِ فلا تكن محباً للطياشةِ، لأن الملاقاة التي تعرض لك بواسطةِ الطياشةِ، لا تتركك أن تمسكَ العفةَ في نفسِك باحتراسٍ، لأن كلَّ من يحبُ الطياشةَ، لا يكون عفيفاً، وكلُّ من يشتبك بالعلمانيين، لا تصدق بأنه متواضعٌ، وكلُّ من هو محبٌ للهِ، فهو يحبُ الحبسَ والجلوسَ في القلايةِ، إنسانٌ طياشٌ لا يمكنه أن يحفظَ الحقَ في نفسِه من غيرِ دنسٍ.
التوبةُ كثيرون يَعِدُون ويتظاهرون بها، وليس من يقتنيها بتحقيقٍ إلا المحزون. وكثيرون يُسرعون نحو الحزنِ، فلا يجده في الحقيقةِ، إلا الذي قد اقتنى الصمتَ على الدوامِ، كلُّ من هو كثيرُ الكلام، ويخبر بأمورٍ عجيبةٍ، اعلم أنه فارغٌ من الداخلِ، الحزن الجواني هو لجامُ الحواسِ.
إن كنتَ محباً للحقِّ، فكن محباً للصمتِ، لأنه كمثلِ الشمسِ، يجعلك الصمتُ تنير باللهِ، ويخلِّصك من تخايل المعرفةِ، والسكوت يجعلك في عشرةٍ مع اللهِ. الذي يحبُ الحديثَ مع المسيحِ، يجبُ أن يكونَ وحده، والذي يريد أن يكونَ مع كثيرين فهو محبٌ لهذا العالمِ. إن كنتَ تحبُّ التوبةَ، فأحبَّ السكوتَ لأنه بدونهِ لن تَكْمُلَ التوبةُ، ومن يقاومك على هذا فلا تلاججه، لأنه لا يعرف ماذا يقول، لأنه لو كان يعرفُ ما هي التوبةُ، لكان يعرفُ أيضاً موضعها، إنها لا تَكْمُل في السجسِ. إنَّ من قد أحسَّ بخطاياه، لأخيرَ له من أن ينفعَ الخليقةَ بمنظره، والذي يتنهد على نفسِه كلَّ يومٍ، أخير له من أن يقيمَ الموتى بصلاتهِ، والذي أُهِّل لأن ينظرَ خطاياه، أخير ممن ينظر الملائكةَ، والذي بالنوحِ يطلبُ كلَّ يومٍ المسيحَ بالوحدةِ، أخير من الذي يمدحونه في المجامعِ».
وقال أيضاً: «إذا ما أفرزتَ نفسَك للتوبةِ، فكلُّ يومٍ لا تصادفُك فيه محقرةٌ لا يكون له حسابٌ عندك، وكلُّ يومٍ لا تجلس فيه ساعةً بينك وبين نفسِك، متفكراً بأيِّ الأشياءِ أخطأتَ، وبأيِّ أمرٍ سقطتَ، لتقوِّم ذاتَك فيه، فلا تحسبه من عِدادِ أيامِ حياتك. الويلُ لمن لا يبكي، ولا يتضايق، ولا ينقي عيوبَ نفسِه، مادام هناك وقتٌ للتوبةِ، لأنه هناك بغيرِ إرادته، بأمواجِ النارِ ينقيها، حتى يوفي آخرَ فلسٍ عليه، الذي هو الزلة الصغيرة.
الذي يتهاون بالصلاةِ ويظن أن هناك ثمة بابٍ آخر للتوبةِ، فهو محلٌ للشياطين، والذي لا يداومُ قراءةَ الكتبِ، ففي التيه سائرٌ، لأنه إذا أخطأ لا يحس. ومن هو متنسِّكٌ من المآكلِ وفي قلبهِ حقدٌ وأفكارٌ رديئةٌ على أخيه، فإنه آلةٌ وأرغن للشيطانِ. احذر من هذه الخِلةِ أن تكونَ جالساً وأنت تدينُ أخاكَ، لأن هذا يقلعُ جميعَ بُنيانِ برجِ الفضيلةِ العظيمِ.
مَن اقتنى الفضائلَ العظيمةَ، مثلَ الصومِ والسهرِ وخلافه، ولكنه لم يقتنِ حراسةَ القلبِ واللسانِ، فإنه في الباطلِ يتعبُ ويعملُ. إذا وضعتَ كلَّ أعمالِ التوبةِ في ناحيةٍ، والحفظ في ناحيةٍ أخرى، فإن الحفظَ يرجح، فإن المسيحَ وضع فأسَ الوصايا على أصلِ الأفكارِ القلبيةِ، وموسىً على الأعمالِ المحسوسةِ. الويلُ لمن له وقتٌ واستطاعةٌ، ويساعده جسده، ويتهاون بأعمالِ التوبةِ، لأنه يبكي وينتحب عندما ينتبه، ويطلب زمانَ الراحةِ فلا يجد. سمادُ وماءُ التوبةِ هما الضيقات والمحقرات والتجارب، وموتها حبُّ الأرباحِ والكرامةُ والراحةُ، لأنه من الضيقاتِ الخارجية تتولد الراحةُ الداخلية، ومن الحزنِ والكآبةِ اللذين من أجلِ اللهِ، يتولد الفرحُ وعزاءُ النفسِ، وبإيجازٍ فإن السلامةَ التي لم تتولد من هذه الأعمالِ، فهي ضلالةٌ.
أساس تدبير الوحدةِ، هو الصبرُ والاحتمالُ بالتغصبِ، وبها يبلغ الإنسانُ إلى كمالٍ تامٍ، وهي تُصلح قدامه سُلَّماً، يصعد به إلى السماء. رباطات النفس هي العوائد، التي بها يعتاد الإنسانُ، إن كانت بالجيد أو بالرديء».
سُئل شيخٌ: «بماذا تشبِّه رهبنةَ القدماءِ، ورهبنةَ زمانِنا هذا»؟ فأجاب قائلاً: «كان إنسانٌ غنياً وحكيماً، وكان يطلبُ المِسكَ الخالصَ، فلما لم يجد المسكَ الحقيقي الذي يريده، قطع المسافات براً وبحراً حتى وصل إلى الصينِ، حيث قدَّم هدايا للملكِ الذي هناك، وسأله أن يعطيه مِسكاً، وطلب إليه أن يقطعَه هو بيدِهِ، فلما أخذ المسكَ ورجع، أعطاه لأولادِهِ، وأولادُه بدورِهم أعطوه بعضُهم لبعضٍ، وقليلاً قليلاً غشُّوه وخلطوه بما يُشبه المسكَ الحقيقي في اللونِ، ويختلف عنه في الرائحةِ، ومع تمادي الزمن بقي الزَّغلُ (أي المغشوش) موضعَ المسكِ الحقيقي، وعدمت رائحتُه، وبقي الشكلُ والاسمُ فقط.
كذلك الآباء القدماء، فإنهم جسروا على الحياةِ والموتِ، وذاقوا كلَّ التجاربِ، واحتملوا الضيقات، وقدموا ذواتَهم ذبيحةً حية ًروحانية، ووُهبت لهم المعرفةُ الروحانية، وصاروا مسكناً لله، وأحسُّوا بالأسرارِ. واتصل السرُّ شيئاً فشيئاً، حتى انتهى إلينا نحن الذين بالاسمِ والشكلِ فقط. إن أمورَ سيدنا مراراتٌ تعقبها حلاوات، مظلماتٌ تعقبها نيرات، محزناتٌ تعقبها مبهجات، أما أمورُ العالمِ فهي حلاواتٌ تعقبها مرارات، نيراتٌ تعقبها مظلمات، مبهجاتٌ تعقبها محزنات. يعرفُ الحقَّ، ذاك الذي ذاق تجربةَ هؤلاءِ، لا من سماعِ الآذان فقط».
قال القديس برصنوفيوس: غرباءُ نحن، فلنكن غرباءَ بالكمالِ، ولا نحسب أنفسَنا شيئاً، ولا نشاء أن يحسبنا أحدٌ فنتنيح. جاهد أن تموتَ في القبرِ من كلِّ إنسانٍ، وقل لفكرِك: «لقد متُّ ووضعتُ في القبر»، وأنت تخلص. وليس غلق الباب هو الموت، بل غلق الفم والطاعة هي أيضاً مُطفِئةٌ لجميعِ سهام العدو المحماة. أما الذرور العظيمة (أي الأربطة) والأعصاب التي تشدِّد كلَّ الأعضاءِ، وتشفي كلَّ مرضٍ واسترخاء، فهي المحبةُ التي أعطانا الآبُ وأحيانا بها.
وقال أيضاً: «هذا هو الوقت الذي فيه نفتشُ عن أوجاعنِا وننوحُ ونبكي ونلومُ أنفسَنا في كلِّ شيءٍ، ونُلقي ضعفَنا قدام الله، وهو يعيننا ويقوينا».
وقال كذلك: «إن كنتَ تحب أن تخلصَ من الأوجاعِ النجسةِ، اقطع منك الخُلطةَ والدالةَ مع كلِّ إنسانٍ، ولا سيما من ترى قلبَك مائلٌ إليه بشيءٍ من الأوجاعِ، وهكذا يُعتق من السبحِ الباطل، لأن السُبحَ الباطل ملتصقٌ بالرياءِ، والرياءُ يلدُ كلَّ الأوجاعِ، لأن المجاهدين، إن لم يحرصوا فلن يُكلَّلوا، والفرسان إن لم يجاهدوا في معركةِ الحربِ، فلا يُمدحون من الملكِ».
وقال أيضاً: «لا تأخذ ولا تعطي مع إنسانٍ يُقاتلك به العدو، بل انظر لنفسِك، واعلم أن مصيرَك أن تموتَ وتلقى الديانَ».
كان شيخٌ لا يأوي تحتَ سقفٍ، بل كان يقيمُ في حرِّ الشمس وبردِ الليل، فقال له أحدُ الإخوةِ: «لماذا يا أبي، لا تأوي تحت سقفِ بيتٍ، فتستريح قليلاً من هذا التعبِ»؟ فأجابه الشيخُ: «إن لصوصاً أخذوا مالي وسلبوني سُترتي، ولهذا لا آوي تحتَ ظلالِ بيتٍ، بل تائهاً، أبيتُ تحت الحرِّ والبردِ، وأصرخُ إلى إلهي ليلاً ونهاراً، ولا أهدأ حتى يتحنن عليَّ وينتقم لي من أعدائي، ويردَّ لي ما قد سلبوه مني».
قال أنبا سرابيون: «كما أن أجنادَ الملكِ وقوفٌ بين يديه، ولا يقدرُ واحدٌ منهم أن يلتفتَ يميناً أو شمالاً، كذلك الإنسانُ، إذا كان واقفاً قدامَ اللهِ في الصلاةِ، يجبُ عليه أن يكونَ عقلُه مجموعاً بخوفٍ، وإذا كان كذلك، فلا يستطيع العدو أن يضرَّه أو يُرهبه».
قال شيخٌ: «لتكن همَّتُكَ في ملكوتِ السماواتِ، وأنت سريعاً تخلص، وترثها».
وقال أيضاً: «إن لم يحفظ الإنسانُ التعليمَ الروحي، ولم يُنَقِ قلبَه من الأفكارِ القذرةِ، فكلُّ تعليمٍ ينساه ويذهب عنه. وعند ذلك يجدُ العدو فيه مطمعاً فيسقطه، لأن النفسَ تشبه مصباحاً مضيئاً، إن توانيتَ عنه ولم تتعهده بالزيت انطفأ».
قال شيخٌ: كما أنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يؤذي رفيقَه وهو واقفٌ معه قدام السلطانِ، كذلك العدو لا يقدر أن يؤلمنا بشيءٍ من الشرِّ، ما دامت نفوسُنا قريبةً من اللهِ، كما هو مكتوبٌ: «اقتربوا من اللهِ، يقترب الله منكم»، ولكننا إذا كنا في كلِّ حينٍ نتنزه، ونشتغل بما لا ينبغي، فإن العدوَ يتمكن منا، ويُلقي بنا في أوجاعِ الخطيةِ.
قال دوروثاؤس: «من يضجر من شدائدِ هذا الدهرِ، فهو جاهلٌ بشدائدِ الدهرِ العتيد، وافتراقِ النفسِ من الجسمِ، والصعوبات التي تنالها. وكيف ننسى تصرف هذا الدهرِ (العتيد)، ونستمر في تذكر الأعمالَ التي نُدان عليها، بلا نسيانٍ».
من أقوال مار إسحق: الراهب الذي في زمانِ الطاعةِ والخضوعِ، يختارُ لنفسِه الراحةَ والحريةَ، فإنه في زمانِ الراحةِ الحقيقية، بالعدلِ يبكي ويجوع ويشقى بالندامة. الراهب الذي في وقتِ الحصادِ والفرحِ، يملك عليه الندمُ والكآبةُ، فهو شاهدٌ على ذاتهِ أنه في أوانِ الزرعِ والخضوعِ والعملِ، لم يُغصب نفسَه على أن يصبرَ ويحتملَ حدة البردِ والجليد، ليشقَّ بالمحراثِ خطوطاً عميقةً في بابِ قلبهِ، ويطمر فيها زرعَ خبزِ الحياةِ، لذلك فهو الآن يشقى بالجوعِ في وقت الحصادِ. أعمالُ التوبةِ والصلوات والدموع باتضاعٍ وكسر القلبِ، لا تغلب الآلام من النفسِ فقط، بل ومن الموتِ يقيمونها. حفظُ الحواسِ يقلعُ الخطايا، وحفظُ القلبِ يقطعُ الآلامَ التي تلدُ الخطايا. الراهبُ الذي يحاربُ قبالة الآلام، يحفظُ الوصايا لكي تُقطع الآلام من القلبِ، ولا تهدأ النعمةُ، إذ تساعده خفيةً. بالقراءةِ المفروزةِ اجمع قلبَك من الكلِّ، وقم للصلاةِ، وفي وقتِ الصلاةِ أَلفِت نظرَك إلى البشارةِ، وانظر الصليبَ والمساميرَ والحربةَ، واحزن وتنهد، وابكِ وأنصت إلى الجموعِ الصارخة: «اصلبه»، واعجب من مخلصِ الكلِّ كيف يصرخُ بنوعِ الصلاةِ: «يا أبتِ، لا تحسب عليهم هذه الخطيةَ»، وتشبَّه به بأكثرِ قوتِك، وابدأ بالصلاةِ والدموع.
وقال أيضاً: الاتكالُ على البشرِ، يمنع كليةً الاتكالَ على المسيحِ، والعزاءُ الظاهرُ يمنع العزاءَ الخفي، وهكذا بقدر ما يكون الراهبُ منفرداً، وفي وحشةٍ، بقدر ما يُخدم من العناية الإلهية. كن حقيراً ومزدرى في عيني نفسِك، فيكون رجاؤك عظيماً باللهِ. محاسن الصلاةِ هي: الاغتصاب والصبر والاحتمال وطول الروح والتجلد، والصلاة هي صراخ العقل الذي يصرخ من حرقةِ القلبِ. يا ابني إن أسلمتَ ذاتَك لجميعِ التجاربِ، فاصلب ضميرَك وأفكارَك مقابل الآلامِ بواسطةِ عملِ الوصايا بتغصبٍ وقسرٍ. بدء تدبير سيرةِ الصلبِ هو الصبر بتغصبٍ والانقطاع من كلِّ محادثات الوجوه، على أن يكون بغيرِ اهتمامٍ، وعدم ذِكرِ كلِّ جيد ورديء، وبغضة الكرامة، والصبر بشجاعةٍ على الظلمِ والعار والهزءِ، متمثلاً بذلك الذي هزءوا به بالصلبِ، وهو الذي يعطي الحياةَ للعالمِ. إن كنتَ مشتاقاً لسلامةِ القلبِ، ونياح الضميرِ الذي هو أثمار شجرةِ الحياةِ، فاخلع من قلبك شجرةَ تمييز الجيد والرديء، تلك الشجرة التي أُمر مبدأُ جنسنا (آدم) ألا يتذوق منها لئلا يموت، لأنها تولِّد سجساً في النفسِ وتقلع السلامةَ من القلبِ.
وقال كذلك: الإنسانُ الذي قد عرفَ ضعفهَ وعجزهَ، فقد حصل إلى حدِ الاتضاع. مرشد أنعام الله إلى الإنسانِ، هو الشكر المتحرك في القلبِ على الدوام، ومرشد التجارب إلى النفسِ هو التذمر. إنَّ اللهَ عز وجل يحتمل كلَّ ضعفٍ من الإنسانِ، ولا يحتمل إنساناً يتذمَّر دائماً، إن أدَّبه. فمٌ يشكر دائماً، إنما يقبلُ البركةَ من اللهِ تعالى؛ وقلبٌ يلازمُ الحمدَ والشكرَ، تحلُ فيه النعمةُ.
الاتضاع يتقدمُ النعمةَ، والعظمةُ تتقدم الأدبَ. إن المتعظمَ بالمعرفةِ بضميرهِ، يسقط بالتجديفِ، والمبتهجَ بفضيلةِ العمل، يسقطُ في الزنى، والمترفعَ بالحكمةِ يسقط في فخاخِ الجهلِ المظلمة. إن الإنسانَ البعيدَ عن ذِكرِ اللهِ، لا همَّ له إلا في قولِ السوءِ على قريبهِ. الذي يُكرمُ كلَّ إنسانٍ، من أجلِ اللهِ تعالى، يجدُ معونةً من كلِّ إنسانٍ بإشارةِ الله الخفيةِ. المعتذرُ عن المظلومِ، يجدُ الله تعالى مناضلاً عنه. من عاضدَ قريبهَ يعاضده الله سبحانه بذراعِه، ومن سبَّ أخاه برذيلةٍ، كان له الله ساباً ومبكِّتاً. التاجر إذا أكملَ وأتم ما يخصه، فإنه يجتهد في أن يمضي إلى منزلِه، والراهب بمقدارِ ما يعوزه من زمانِ العملِ، على ذلك الحدِّ يحزن أن يفارقَ نفسَه. وإذا أحسَّ في نفسِه، أنه حصل على الوقتِ وأخذ العربونَ، فإنه يشتاق إلى العالمِ الجديدِ. إن التاجرَ ما دام في البحرِ، فالخوفُ منبثٌ في أعضائه، لئلا تتعالى عليه الأمواجُ فيغرقَ ويخيبَ أملُه من عملهِ، والراهبُ ما دام في بحرِ هذا العالمِ، فالخوفُ يستولي على سيرته لئلا تثب عليه أذيةٌ وراموز (أي اضطراب)، فتُهلك عملَه منذ الشبابِ حتى الشيخوخةِ. التاجرُ عينُه نحو البحرِ، والراهبُ يرمُقُ ساعةَ الموتِ. إنَّ السابحَ يغوصُ غائراً في البحرِ، إلى أن يجدَ اللؤلؤَ، والراهبَ الحكيمَ يسيرُ في الدنيا عارياً، إلى أن يصادفَ فيها الدرةَ الحقانيةَ، التي هي يسوع المسيح، وإذا ما وافاه، فلن يقتني معها شيئاً من الموجوداتِ.
إن الجوهرَ يُصانُ في الخِزانةِ، ونعيمَ الراهبِ يُصانُ في السكونِ والهدوءِ. إن العذراءَ لتتأذى بالمجامعِ والمحافلِ، كذلك فكرُ الراهبِ، تضره المحادثةُ مع الكثيرين، والنظرُ إليهم. إن الطائرَ يُسارعُ إلى وكرِه، بعيداً عن كلِّ مكانٍ، وذلك ليفرخَ، كذلك الراهبُ ذو الإفرازِ، يبادرُ إلى قلايته، ليصنعَ فيها ثمرةَ الحياةِ. إن السحابَ يحجبُ نورَ الشمسِ، والأقوالُ الكثيرةُ تبلبل النفسَ. إن الشجرةَ إن لم ترمِ أولاً الورقَ العتيق، فلن تأتي بأغصانٍ جديدةٍ، كذلك الراهبُ، إن لم يرمِ من قلبهِ ذكرَ الأمورِ والأعمالِ السالفةِ، ويبعد عن ملاقاةِ الكلِّ، فلن يقدِّم ليسوعَ المسيحِ أثماراً جديدةً. إن الهواءَ يُسمِّن الأثمارَ، والاهتمامَ بأمورِ الله عز وجل، يُسمِّن أثمارَ النفسِ. إن أثمارَ الشجرةِ فجهٌ ومرةٌ، ولن تصلحَ للأكلِ حتى تقع فيها الحلاوةُ من الشمسِ، كذلك أعمال التوبةِ الأولى فجةٌ ومرةٌ جداً، ولا تفيدُ الراهبَ حتى تقع فيها حلاوةُ الثاؤريا، فتنقلَ القلبَ من الأرضياتِ. حلاوةُ الكلامِ من غيرِ أعمالٍ لا تنفعُ، لأنه إذا ما انتقل عنها الإنسانُ، يخزى بالأكثرِ. كما أنه لا يمكنُ أن يشربَ الشابُ الخمرَ، ولا تفوح رائحتُه من فمهِ، هكذا لا يستطيع الإنسانُ أن يؤهَّل للنياحِ الروحاني بتدبيرِ سيرتهِ، ولا تظهر مغايرات أمورهِ لحكماء القلب. إن الذي قَبِلَ الزرعَ السمائي مغايرٌ بكلامِه، ومغايرٌ بضميرِه، ومغايرٌ بسيرتِه، ومغايرٌ بحواسهِ، ومغايرٌ في كلِّ شيءٍ لبقيةِ الناسِ. وهو كإنسانٍ كان نائماً وانتبه من نومِه، إن الراحةَ والبطالةَ هلاكٌ للنفسِ، وهما يؤذيان أكثرَ من الشياطين.
وقال أيضاً: إنسانٌ مماحكٌ لا يظفرُ بسلامةِ الفكرِ، والعادمُ من السلامةِ، هو العادمُ من الفرحِ. الإنسانُ الذي يطلِقَ لسانَه على الناسِ بكلِّ جيدٍ ورديءٍ، لن يُؤهل للنعمةِ من اللهِ. توبةٌ مع أحاديث تشبه خابيةً مثقوبةً. عفةٌ ومحادثةٌ مع امرأةٍ، كلبؤةٍ وخروفٍ في بيتٍ واحدٍ. أعمالٌ مع قساوةٍ قدام الله تعالى، كإنسانٍ يضحي ولداً (أي يذبح ولداً) قدام أبيه. المريضُ الذي يقوِّم رفاقَه، يشبه إنساناً أعمى يُري آخرينَ الطريقَ، إن الحقودَ يستثمرُ من صلاتهِ ما يستثمره الزارعُ في البحرِ من الحصادِ، وكما أن شعاعَ النار لا يمكن إمساكه عن الطلوعِ إلى فوق، هكذا صلاة الرحومين لا يمكن إلا أن ترقى إلى السماءِ. وكما أن جريانَ الماء يتجه إلى أسفل، هكذا قوةُ الغضبِ إذا ما ألِفَت موضعاً في فكرِنا. من واضَعَ قلبَه، فإنه قد مات عن العالمِ، ومن مات عن العالمِ، فقد مات عن الآلامِ، ومن مات بقلبهِ عن أصحابهِ، فقد مات المحتالُ عنه. ومن وجدَ الحسد، فقد وجد معه الشياطين الذين أوجدوه منذ القديم. إنَّ جمعَ المتواضعين لمحبوب عند الله تعالى كجماعةِ السارافيم. إن الجسمَ العفيفَ لكريم عند الله تقدس اسمه أكثر من الضحية الطاهرة، وذلك أن هذين، أعنى الاتضاع والعفة، ضامنان للنفسِ بحلولِ الثالوثِ المقدس فيها.
تخوَّف من العاداتِ أكثرَ من الأعداءِ. إن من يربي عنده عادةً، هو كإنسانٍ يربي (أي يُشعل) ناراً بكثرةِ الوقود، وذلك لأنَّ قوةَ الاثنينِ تتقوَّم بالمادةِ، أما العادةُ فإنها إذا ما طالبت دفعة، ولم تُجبها إلى طلبها، فإنك تجدها في وقتٍ آخر ضعيفةً، أما إن صنعتَ مرسومها دفعةً، فإنها تتقوى عليكَ في الثانيةِ أكثر مما سلف. لا تكن صديقاً لمحبِّ الضحكِ والمؤثرِ أن يهتكَ الناسَ، لأنه يقودك إلى اعتيادِ الاسترخاء. لا تُظهر بشاشةً في وجهِ المنحلِّ في سيرتِهِ، وتحفَّظ من أن تبغضَه. عبِّس وجهكَ لدي من يبدأ في أن يقعَ بأخيه قدامك، فإنك إن فعلتَ هكذا، تكون متحفظاً لدي الله تعالى ولديه. صديقٌ ليس بحكيمٍ يشبه سراجاً في شمسٍ. صلاة الحقودِ كبذارٍ على صخرةٍ. ناسكٌ غيرُ رحيمٍ كشجرةٍ لا ثمرَ فيها. ورعٌ صادرٌ عن حسدٍ كسهمٍ مسمومٍ. مشيرٌ أحمقُ كضريرٍ مرشدٍ. تَفتُّت القلبِ في مجالسةِ غير الحكماءِ. فخٌ مخفي هو مدحُ الغاش. ينبوعٌ عذبٌ، محادثةُ الفضلاءِ. والمشيرُ الحكيمُ كسورِ رجاءٍ. صديقٌ جاهلٌ، ذخيرةُ خسرانٍ. مشاهدة النادبات في منزلِ البكاءِِ، أفضلُ من رؤية حكيمٍ تابعٍ لأحمقٍ. جالس الضباع ولا تجالس الشره الذي لا يكتفي. التحدث مع الخنازير ذات الحمأةِ، أفضل من فم الأكولين. جالس المجذومين ولا تجالس المتعظمين. كن مطروداً لا طارداً. وكن مظلوماً لا ظالماً. أبسط سربالك على المذنبِ، واستره إن كنتَ لا تقدر أن تحتملَ وتضعَ على نفسِك أوزارَه، وتقبل الأدبَ وتتجشَّم الأتعابَ من جرائهِ. لا تماحك ولا تخاصم من أجلِ البطنِ، ولا تبغض من أجلِ أن تُكرَّم، ولا تحب الرئاسةَ. التمس فهماً لا ذهباً. البس الاتضاع ولا تلبس الأرجوان. اقتنِ سلامةً لا مُلكاً.
كما قال: «إن أردتَ أن تعرفَ رجلَ اللهِ، فاستدل عليه من سكوتِه ومن بكائِه ومن انقباضِ نفسِه على ذاتهِ، وإن أردتَ أن تعرفَ الرجلَ السائبَ القلبِ، فاستدل عليه من كثرةِ كلامهِ ومن تخبط حواسهِ ومن مقاومته لكلِّ شيءٍ، يقول ويريد أن يغلبَ».

من أقوال الأب الروحاني المعروف بالشيخ «تعليم للمبتدئين» 3




من أقوال الأب الروحاني المعروف بالشيخ
«تعليم للمبتدئين»
3

 
سأل أنبا يوسف أنبا بيمين قائلاً: «قل لي كيف أكونُ راهباً؟» قال له: «إن كنتَ تريدُ أن تجدَ نياحاً ههنا وفي الآخرةِ، فقل في نفسِك في كلِّ أمرٍ: أنا ما أنا، ولا تَدِن إنساناً».
وسأله أيضاً أخٌ آخر قائلاً: «إن أبصرتُ أخاً سقط، فهل من الجيد أن أسترَ عليه»، فقال له: «في أية ساعةٍ سَتَرْنا على سقطاتِ أخينا، فإن الله يستُر سقطاتنا، ومتى أظهرنا سقطات أخينا، أظهر الله سقطاتنا».
وسأله آخر قائلاً: «ماذا أصنعُ لأن نفسي تصغُرُ، إذا كنتُ في القلايةِ»؟ قال له: «لا تَدِن أحداً، ولا تقع بإنسانٍ، واللهُ يَهَبُ لك الهدوءَ والنياحَ في القلايةِ».
قال شيخٌ: «قلايةُ الراهبِ هي أتون بابل حيث أبصروا مع الثلاثةِ فتية ابنَ الله، كما أنها العمودُ النار، والسحابةُ التي منها كلَّم اللهُ موسى».
أخبرَ أنبا بيمين عن أنبا يحنس القصير إنه طلب من اللهِ فارتفعت عنه الأوجاعُ، وصار متنيحاً بلا قتالٍ ولا همٍّ، فذهب إلى أحدِ الشيوخِ وقال له: «إني أرى نفسي بلا قتالٍ ولا همٍّ»، فقال له الشيخُ: «اذهب واطلب من اللهِ أن يردَّ عليك القتالَ، فإن بالقتالِ تدرك نفسُ الإنسانِ وتفلح». ومن ذلك اليومِ، لم يعد يسأل اللهَ أن يرفعَ عنه القتالَ، ولكنه كان يقول: «يا ربُّ، هَب لي صبراً وأعني».
من كلام مار إسحق: سؤال: «ما هو العالم»؟ الجواب: «إن العالمَ هو تجربةُ الخطيةِ، العالمَ هو أن تكمِّلَ إرادةَ الجسدِ، العالمَ هو أن يفتخرَ الإنسانُ بالأشياءِ التي يمضي ويتركها، فلنجاهد يا إخوتي حتى نلبس لِباسَ الفضيلةِ، لئلا نُلقى خارجاً، لأن الربَّ لا يأخذُ بالوجوهِ».
وقال أيضاً: «افحص ذاتَك باستقصاءٍ، وانظر بأيِّ نوعٍ زللتَ، واطلب من اللهِ أن يغفرَ لك، وإذا شئتَ أن تنالَ الغفرانَ، اغفر أنت أيضاً لقريبك. إذا قمتَ باكرَ كلِّ يومٍ، اذكر أنك سوف تعطي جواباً للهِ على كلِّ ما صنعتَ، فلن تخطئَ مرةً أخرى. فكِّر في كلِّ يومٍ، أنه ليس لك في العالمِ، سوى يومِك الذي أنت فيه، فلا تخطئ أبداً. أبغض كلامَ العالمِ، لكي يعاينَ قلبُك اللهَ. أحبَّ الصلاةَ كلَّ حينٍ، لكي يستنيرَ قلبُك باللهِ. احفظ لسانَك كي ما تسكنَ فيك مخافةُ اللهِ. لا تحبَّ التهاونَ، لئلا تحزنْ نفسُك في قيامةِ الصديقين. اذكر ملكوتَ السماواتِ لكي تجذبَك شهوتُها نحوها. اذكر أيضاً نارَ جهنمِ، لكي تُبغضَ أعمالها. دِن نفسَك وحدَك في أعمالِك، حتى لا تنخدع بالإهمالِ والتهاونِ. افحص كلَّ يومٍ فيم أنت عاجزٌ فيه، لئلا تتعبَ وقتَ شدتِك. لا تظن بنفسِك إنك طاهرٌ من الخطيةِ، ولا تثق بنفسِك ما دمتَ في هذا الجسدِ، حتى تعبرَ سلاطينَ الظلمةِ. إذا كنتَ مجاهداً قبالةِ وجعٍ ما، فلا تتخلّ، بل ألقِ بنفسِك قدامَ اللهِ من كلِّ قلبك، وقل: أعني يا ربُّ أنا الشقي، فإني لستُ قادراً أن أقفَ قبالتهم، والله يعينك».
من كلامِ الأب المعروف بالشيخِ: «الصيادُ الذي يصطادُ الصيدَ، يَبذر الطُعمَ على فخِهِ، وحينئذ يستطيع أن يصطادَه، والمتوحد بحنجرتهِ يصطاده الماردُ. فمِن أبيك (آدم) افهم وافحص بماذا اصطاده، لتتعلمََ أنت كيف تحاربه. المتوحدُ الذي يملأ بطنَه، هو راعي خنازير، وكثيرةٌ وشريرةٌ هي رعيته. الآلام مشتبكٌ بعضُها ببعضٍ أيها الإخوة، فمن يخضع لوجعٍ ما، فحتماً يكون عبداً لرفيقه، فينبوعُ جميع الآلامِ كبر البطن، فلا تملأ بطنَك كثيراً، لئلا يعذبك الزنى، ولا تُضعف جسدَك، لئلا يفرح بك مبغضوك. أمسك برتبةٍ معتدلةٍ، وأنت سالكٌ في الطريق الملوكي، وحينئذ يكون سيرُك بغيرِ خوفٍ، لأنه كما أن المصابَ بمرض الحمى تنفر نيتُه مما يُقدم له من الأطعمةِ الشهيةِ، فلا تلذ له، كذلك شهوةُ الطبيعةِ إن أُضعِفَت بسببِ نقصانِ الغذاءِ، وجلب لها الشياطينُ ذِكرَ الوجوهِ، والصورَ المحرِكةَ للأوجاعِ، فإننا نَلبَث بغيرِ عيبٍ، إذ تنفر نيتُنا من شهوةِ الزنى، لأن الوجعَ الطبيعي ضعيفٌ من الأغذيةِ الحقيرةِ، فبنقصِ الغذاءِ تضعُف الآلام، وبذكر اللهِ تهلك وتموت، هذا هو السيفُ القاتلُ لها. فمن يملأ بطنَه ويطيعُ هذا الوجع، فإنه عبدٌ إذا خضع، ويصبح جالباً للأوجاعِ. أما إذا غلب هذا الوجعَ، فبسهولةٍ يغلب جميعَها. هذا هو ينبوعُ الزنى وحبّ الفضةِ، وسُبح الناسِ، وطلب كثرةِ الكرامةِ، والحسد والقتل، وجميع الشرورِ بسببها يمتلئ جحيمُها. هذا كلُّه تفعله الذئبةُ المفسدةُ (أي البطن)، فلنعذِّبها لئلا تعذبنا هي، لأننا إذا ملأناها كثيراً، يكثر الزبلُ الذي هو تلك الأثمار المنتنة، التي تصدر عنها. فانظر يا أخي، فإن هذه هي نهاية جميعِ أعمالِ العالمِ، إذن مثلُ حكيمٍ دبِّر حياتَك فيما أنت محتاجٌ إليه».
وقال أيضاً: «الويلُ للمتوحدِ الحرود، إنَّ قلبَه مسكنٌ للأفاعي، وكلُّ يومٍ يشربُ من مرارتِهِ. الذي ينقلُ الكلامَ، يُبعد ذاتَه من اللهِ، والنعمةُ ليست ساكنةٌ فيه. المخربُ متى يوجد له بيتٌ؟ لأنه لذاتِه يقيمُ بلا مظلةِ اللهِ. الحرود مع من يصطلح؟ لأنه دائماً يكدِّر قلبَه، ويُبعد منه روحَ اللهِ، وهناك تلدُ العقربُ وتربي. اهرب من ذي اللسانين، فإنه يرمي السهامَ المسمومةَ في قلبِ من يُنصت له. ابعد عن المتعظِّمين، فإنهم يحاربون الله. غريباً كن من جميعِ الأغنياءِ، لأن عملَهم جميعَه عبادةُ أصنامٍ. لا تكن رفيقاً للمتخاصمين، لئلا يسكن لجيئون داخلَ بيتِك. احذر الحقودَ لأنه شيطانٌ متجسدٌ. من الذي يمدحك قدامك سدَّ أذنيك واهرب، لئلا يُعريك من الله، ويُلبسك ثيابَه المرقَّعةَ الذي هو لابِسُها. في محبِّ الرئاسةِ لا يسكن اللهُ، فلا تسكن أنت أيضاً معه، الذي يقيم هواه بغير ضرورةٍ، يكون مبغضاً لمشيئةِ اللهِ. الوقح يتشبَّه بالحيةِ، ومأكولُهُ ترابٌ. الذي يرفع صوتَه، معروفٌ عنه أنه ليس فيه المسيحُ».
كما قال: «كن محباً لكلِّ إنسانٍ، بالبعدِ عن كلِّ إنسانٍ. أبغِضْ كلَّ أمرٍ رديء في نفسِك، ولا تُبغض ما في الآخرين. مرذولٌ هو قدام الربِّ من يُبغض الخاطئَ. إذ لك موضعٌ قدِّم توبةً لقلعِ خطاياك. اسكب دموعَك قدام ربِّك، لئلا يرُدَّ وجهَهُ عنك في ذلك اليومِ، الذي يرجوه كلُّ محبيه، لنظرتِهِ الممجَّدة التي بها يتنعمون إلى الأبدِ».
وقال كذلك: «إنه لزمان الأحزانِ، وبالكدِّ والتعبِ العظيمِ، يقدرُ إنسانٌ أن يخلِّصَ نفسَه من فخاخِ المكرِ. تسربل يا أخي بالتواضعِ في كلِّ وقتٍ، لأنه يُلبس نفسَك المسيحَ معطيه. أمسك بالورعِ والعفةِ، لأنهما ينقيان من نجاسةِ الأوجاعِ الدنسة. طقِّس حنجرتك ونومك بقدرٍ، ولتتنعم نفسُك في النومِ بالأحلامِ الروحانيةِ، وفي اليقظةِ بالأفكارِ البهيةِ. طقِّس لسانَك من كلِّ كلامٍ فارغٍ، ليتسلط عقلُك على الأوجاعِ والشياطين المنافقين. من الحَرَدِ والحرودين احذر، لأنهم يعدمون النفسَ من النورِ المقدسِ. ممن لا طقس له، ولا تدبير متقن، أبعد نفسَك كلما أمكنك ذلك، لئلا يجعلك عبداً للخطيةِ. ليكن حديثُك مع محبي الله لتأخذَ نفسُك شبهَ طهارتِهم. سبِّح بقلبك في كلِّ وقتٍ، ليكونَ قلبُك هيكلاً للهِ. احفظ عينيك من كلِّ المناظرِ الكاذبةِ المنبهةِ للشهوةِ. ولا تكن محباً لصبيٍ، لأنه يجعل الذي يلتصق به فاعلَ شرٍّ. كن مجتمعاً مع ذاتِك بينك وبين الله، وكن ابنَ سِرٍّ لذلك الذي يفعلُ كلَّ شيءٍ من أجلِ اللهِ. عظيمٌ هذا الرجل الذي يفرز، وأثمارُ عملِه هي حياةٌ مؤبدةٌ. استمع لكلِّ وصايا إخوتك، ومثل حكيمٍ خلِّص حياتَك بمعرفةٍ من الوصايا التي فيها خسران. فهذه التعاليم للحكماءِ تكفي».
من قولِ بعضِ الشيوخِ: «في كلِّ شيءٍ تصنعه، اعلم أن اللهَ ينظرُ إليك دائماً، لتكونَ مخافتُه فيك، لكي تصنعَ مسرَّتَه. اضبط لسانك لئلا تقول كلاماً يُغضب اللهَ. اضبط عينيك لئلا تنظرَ الأرضيات، وتصير غريباً من السمائيات. لتكن الكنيسةُ لك شبه السماءِ، وانظر لئلا تتفكر بالأرضيات، وأنت قائمٌ فيها. تحفَّظ في صلاتِك بمخافةِ الله، لئلا تُغضبه بدلاً من أن ترضيه، فتحتاج صلواتُك لصلواتٍ. احذر من الضحك لأنه يحل الحواس، ويُبطل كلَّ فضيلةٍ».
سألنا أنبا أنانيه أن يقولَ لنا كلمةً، فقال لنا: «عليكم بالمسكنةِ والإمساك، لأني كنتُ في بريةِ مصرَ في شبابي، وحدث أن اشتكى أحدُ الآباءِ بطحالِه، فطلب جرعةَ خلٍّ، فلم يجد في تلك البريةِ كلِّها، وكان فيها ثلاثةُ آلاف راهبٍ، فشكا حالَه لأحدِ الشيوخِ الذي أمر بإحضارِ قليلٍ من الماءِ، ثم قام وصلى عليه ورسم باسم الآب والابن والروح القدس، ودهن به الطحال، فزال الوجع لوقتِهِ برحمةِ السيد المسيح».
قيل عن أحدِ الرهبانِ إنه كان كلُّ يومٍ يبكي على خطاياه، وكان له جارٌ يسمعه، وإذ لم يأتهِ البكاءُ، قال لنفسِه: «لماذا لا تبكي يا شقي؟ لماذا لا تنوح يا مسكين؟ حقاً إنك إن لم تبكِ ههنا طائعاً، فإنك ستبكي هناك كارهاً»، وكان قد أصلح له حبلاً غليظاً يضرب به ذاتَه ليبكي، فتعجب جارُهُ وطلب من اللهِ أن يكشفَ له إن كان تعذيبُه لنفسِه صواباً، فأبصره وهو واقفٌ بين جماعةِ الشهداءِ، وإنسانٌ يقول له: «هذا هو المجاهدُ الصالحُ الذي يعذِّب نفسَه من أجلِ المسيحِ».
قال القديسُ أنطونيوس: «يجب أن يكونَ خوفُ اللهِ بين أعيننا دائماً أبداً، وكذلك ذِكرُ الموت، وبغضةُ العالمِ، وتجنُّب كلِّ ما فيه راحةُ الجسدِ، وأن نزدري هذه الحياةَ، لنحبَ اللهَ، لأنه سوف يطلب منا هذا في يومِ الدينونةِ، ما إذا كنا قد جُعنا، أو عطشنا، أو تعرينا، أو تنهدنا، أو حزنا من كلِّ قلوبنا، أو امتحنا أنفسَنا هل نحن مستحقون لله، فلنؤثر الحزنَ لكي نجد اللهَ، ولنستهن بالجسدِ لكي تنجو أنفسُنا من العذابِ».
قال شيخٌ: «احذر الغضبَ لأنه يُظلم العقلَ ويلقي من النفسِ لجامَ مخافةِ اللهِ. إن الغضبَ أبو الجنون، فمن يقبله لا يكون وديعاً أمام اللهِ. استعد كلَّ حينٍ لأن تقبلَ الأتعابَ والشدائدَ مع الضيقاتِ الآتية عليك، ولا تصغر نفسُك، ويضعف جسُدك فتُهلك تعبَك، بل اقتنِ صبراً، وثبِّت أفكارَك قائلاً: إن هذه إنما أتت عليَّ بسببِ خطاياي. فإن صنعتَ هكذا، فإن معونة الله ونعمته تدركك سريعاً. طوبى للإنسانِ الذي يحفظُ نفسَه طاهراً في الصغرِ حتى الكبرِ، طوبى لمن له نصيبٌ في قيامةِ الصديقين، فإن الملائكةَ تجمعه إلى أهراء الحياةِ، التي هي فرح ملكوتِ السماواتِ».
من أقوال مار إسحق: «إن حدَّ كلِّ تدبيرِ السيرةِ يكون بهذه الثلاثة: التوبة، والنقاوة، والكمال».
ما هي التوبة؟ «هي تركُ الأمورِ المتقدمة، والحزن من أجلِها».
وما هي النقاوة؟ «هي قلبٌ رحومٌ على جميعِ طبائعِ الخليقةِ».
وما هو الكمال؟ «هو عمقُ الاتضاعِ ورفضُ كلّ ما يُرى وما لا يُرى، أي ما يُرى بالحواس، وما لا يُرى بالهذيذِ عليه».
وسُئل في وقتٍ آخر: «ما هي التوبةُ»؟ فقال: «قلبٌ منسحقٌ». «وما هو الاتضاع»؟ فقال: «هو ترك الهوى، والسكون من كلِّ أحدٍ». «وما هي الصلاة»؟ فقال: «هي تفرغ العقل من جميعِ أمورِ الدنيا، ونظرُ العقلِ إلى شوقِ الرجاء المُعَد».
وسُئل أيضاً: «كيف يقتني الاتضاعَ»؟ فقال: «بتذكارِ السقطاتِ، وانتظارِ قربِ الموتِ، واتخاذ لِباسٍ حقيرٍ؛ وأن يختارَ موضعاً هادئاً، ويكون له سكونٌ دائمٌ، ولا يُحبُّ ملاقاة الجموع، وليكن غيرَ معروفٍ وغيرَ محسوبٍ، ملازماً أموره بقدرٍ، مبغضاً لقاء الناسِ، والدالة والخلطة، غير محبٍ للأرباح، مانعاً عقله من لومِ أحدٍ، أو الإيقاع بإنسانٍ، فلا يعامل أحداً، ولا يعاشره، بل يكون متوحداً في ذاتِه، منفرداً، ولا يجعل له همًّا بأحدٍ من الخليقةِ غير نفسه، وباقتصار الغُربةِ والمسكنةِ والتصرف بانفرادٍ. فهذه كلها تولِّد الاتضاع، وتطهر القلبَ. والذين قد بلغوا الكمالَ، هذه هي دلائلهم وعلاماتهم، ولو أنهم يُسلَّمون كلَّ يومٍ عشرَ دفوعٍ للحريقِ من أجل محبةِ الناسِ، فلا يشبعون من حبهم».
سؤال: «ما السبب في أنَّ فعلَ الرجاءِ لذيذٌ، وتعبَه خفيفٌ»؟
الجواب: «ذلك لسببِ الاشتياقِ الطبيعي، الذي يستيقظُ في النفسِ، ويسقيها كأسَ الرجاءِ ويُسكرها، ومن تلك الساعةِ، لا يحس ذوو الرجاءِ بتعبٍ أبداً، بل يثبتون غير شاعرين بالضيقات، وفي كلِّ ما جرى في سيرتهم، يظنون كأنهم في الجوِ سائرون بغير أقدامٍ بشريةٍ، ولا تظهر لهم صعوباتُ الطريقِ وخشونتها، فلا يبدو أمامهم أن هناك أوديةً وروابي وتلال، بل حتى الوعر قدامهم يكون سهلاً، والمواضع الحرجة كأرضٍ لينةٍ، لأنهم في كلِّ وقتٍ ينظرون إلى حضنِ أبيهم، والأملُ يشير إليهم كمثلِ الإصبع، ويريهم الأشياءَ البعيدةَ غير المرئيةِ، كما لو كانت قريبةً، ملاحظين بعينِ الإيمانِ الخفيةِ، لأن جميعَ أجزاءِ النفسِ تسخن مثل النارِ بشوقِ الأمورِ العتيدةِ، وإلى هناك يمدون لواحظَ أفكارِهم ويسرعون على البلوغِ. وإذا ما دنوا من عملِ واحدةٍ من الفضائلِ، فإنهم لا يعملونها بالتدريجِ، بل بالتمام مرةً واحدةً، فإنهم في الطريق السلطانية، لا يسيرون مثل باقي الناس، لأنهم اختاروا سبلاً قاطعةً. إنهم أفرادٌ من الجبابرةِ والشجعانِ، أولئك الذين قدروا على السيِر فيها، لأن سعيَهم بالتجبرِ والحرصِ ينتهي، لأن الرجاءَ يُشعلهم مثلَ النارِ، فلا يقللون من سرعةِ جريهم بسبب فرحِهم. ويعرض لهم مثل ما قال إرميا النبي: إني قلتُ لا أعودُ أذكره، ولا أنطق باسمهِ، وصار في قلبي كمثل النارِ المتقدة، وأشعل عظامي. هكذا تكون قلوبُ الذين يَجْرُون برجاءِ اللهِ حتى يدركوا الحياةَ الأبديةِ».
وقال أيضاً: «يتقدمُ الآلامَ جميعَها، عزةُ النفسِ ومحبةُ الذاتِ، ويتقدم كلَّ الفضائلِ احتقارُ الإنسانِ للراحة. الذي يُغذي جسدَه بالراحةِ، فإنه في بلدِ السلامِ ينضغطُ بالضيقةِ، والذي يتنعم في شبابهِ، يكون عبداً في شيخوخته، وفي الآخرِ يتنهد. وكما أنه لا يتمكن مَن قد حَبَسَ رأسَه في بئرٍ عميقةٍ مملوءة ماءً، من استنشاق هواء هذا الجو المتدفق في الفضاءِ، هكذا من غَطَسَ ضميرُه باهتماماتِ الأمور الحاضرةِ، فإنه لا يمكن أن تقبلَ نفسُه استنشاق حُسن العالم الجديد. وكما أن رائحةَ السم المميت تُفسد مزاج الجسد، كذلك المناظر السمجة تخبط سلامة الضمير. وكما أنه لا يُستطاع أن تكون الصحةُ والمرضُ في جسدٍ واحدٍ، ولا يفسد أحدُهما من الآخر، هكذا لا يمكن للحب والبغضة أن يسكنا في إنسانٍ واحدٍ ولا يُفسد أحدُهما قريبَه. وكما أنه لا يثبت الزجاج في تقلبه مع الأحجار بل ينكسر، هكذا لا يمكن أن يكون أحدٌ طاهراً، وهو مداوم النظرَ والكلامَ مع النساءِ. وكما تنقلع الأشجارُ من شدةِ جريان الماءِ، كذلك محبة العالم تنقلع من القلبِ من حدة التجارب الحادثة على الجسدِ. وكما أن الأدويةَ المسهلةَ تنقي الكيموسات (أي الإفرازات) الرديئة من الأجسادِ، هكذا شدة الضيقات تقلع الآلام من القلبِ. وكما أنه لا يمكن أن يكونَ بغيرِ أذيةٍ ذاك الذي يُشفق على عدوِهِ المحارب له في صفوف القتالِ، هكذا لا يمكن أن يُشفِقَ المجاهدُ على جسدِه، وتنجو نفسُه من الهلاكِ. من اقتنى دموعاً في صلاتِه، فهو كإنسانٍ يُقدِّم قرباناً عظيماً للملكِ، وقد اقتنى عنده وجهاً بهجاً، كذلك الدموع قدام الله الملك العظيم تزيلُ كلَّ أنواع خطاياه ويقتني عنده وجهاً بهجاً. وكالنعجةِ التي تخرج من الدوّارِ وتمضي لتقيمَ في جحرِ الذئابِ، هكذا الراهب الذي يترك موافقة إخوته، ويداوم الطياشةَ والنظرَ في الخليقةِ. وكمثلِ من هو حاملٌ جوهرةً ثمينةً، ويمضي بها في طريقٍ، وتُشاع عنها أفكارٌ سمجةٌ، فيصبحَ في كلِّ وقتٍ مرعوباً من السالبِ، هكذا الذي قد اقتنى جوهرةَ العفةِ، ويسيرُ في العالمِ الذي هو طريق الأعداء فهذا ليس له رجاءٌ في أن يفلتَ من اللصوصِ السالبين، إلى أن يدخلَ منزلَ القبرِ (أي القلاية)، الذي هو بلد الثقةِ. وكما أنه لا يمكن لذاك أن لا يخاف، كذلك أيضاً ولا هذا؛ لأنه لا يعرف بأيِّ بلدٍ وبأيِّ وقتٍ يخرجون عليه بغتةً ويُفقرونه من جميعِ مالهِ، لأنه هناك من يُسلبُ في بابِ دارهِ، الذي هو زمانُ الشيخوخةِ».
«وكما أنه من بذارِ عرقِ الصومِ ينبتُ سنبلُ العفةِ، كذلك أيضاً يتولد من الشبعِ الفسقُ، ومن الامتلاءِ النجاسةُ، أما الأفكارُ المشاغبة (الشهوانية) فلا تجسر على البطنِ الجائعةِ المتذللة قط. كلُّ مأكولٍ يتحصل داخلنا يتسبب عنه زيادة كيموس الزرع الطبيعي المجتمع في جسدنا، وإذا امتلأت الأعضاءُ التي هي أواني الزرع من السائل الذي من جميع الجسدِ، فإنه يسيل إلى هناك، إذا عرضَ له أن ينظرَ جسداً ما، أو تحرَّك فيه ذِكرُ شيءٍ من غيرِ الإرادةِ مع ما يتحرك بالفكرِ في ساعتهِ من مادةٍ بلذةٍ، تتحرك من هناك وتنطلق في جميع الجسمِ، حتى ولو أن الفكرَ يكون شجاعاً جداً وعفيفاً ونقياً بحركاته، ولكن بسببِ ذلك الإحساس في الأعضاءِ، فلوقته يضطرب إفرازه، وعفة أفكاره النقية تتسخ وطهارته تتنجس، لأجل اضطراب تلك الآلام التي تتحرك في القلبِ من توقد الأعضاء، وفي الحالِ تذهب نصفُ قوته، ويوجد مغلوباً مخصوماً بغير قتالٍ. ولن يتعب عدوه في الجهاد معه لأنه غُلب تحت إرادة الجسد المشاغب، وهكذا يجمع أفكاراً متلبسة بأشكالٍ مشاغبة محيطة به، أثناء رقاده وحده، ويبقى سريره الطاهر فندقاً للزواني، وتتدنس أعضاؤه الطاهرة من غير أن تدنو منه امرأةٌ. أيُّ بحرٍ يضطربُ هكذا، ويتسجس من الراموز، مثل اضطراب العقل المتقن السديد، بقوة الأمواجِ الثائرة عليه في جسمهِ، من امتلاءِ البطنِ».
أيتها العفةُ، ما أنقى حسنك بالرقادِ على الأرضِ، وألم الجوع الذي يشتت النومَ عنه لأجل نشوف الجسد، وخلو البطن. من كلِّ مأكولٍ، تصدر داخلنا أشكالٌ مرذولةٌ، وصورٌ مشاغبةٌ تتشكل منه، فتخرج وتظهر لنا في بلدِ عقلنا الخفي، جاذبةً إيانا إلى مشاركتها بأفعال الفسق، أما خلو البطنِ فإنها تكون كمثل بريةٍ مقفرةٍ للضمير، هادئة من سجس الحسيات؛ والبطن الملآن، فهو بلد الفُرجات والمناظر، حتى نحن الذين في البريةِ والقفرِ، وجدنا الشبعَ يسبب الكثيرَ من أمثالِ ذلك».
قال شيخٌ: «إذا جلستَ في قلايتِك، فلا تكن مثلَ قبرٍ مملوءٍ من النجاسات، ولكن كن مثل إناءٍ مملوءٍ ذهباً كريماً، ولك حافظُك، حافظُ النهارِ والليلِ، التي هي قوةُ الربِّ، التي تحفظ عقلَك».
وقال أيضاً: «الذي يريدُ الاختصاصَ بالملكِ، لا يفعل أمورَ السوقةِ والعوام، ومن يختارُ المقامَ في معركةِ الأبطالِ، لا يفعل أمورَ الصبيانِ والأطفالِ».
وقال أيضاً: إذا مدحك الفكرُ قل له: «لماذا تمدحني؟ إنَّ السائرينَ في البحرِ، حتى ولو هدأ عنهم هيجانه، فما داموا بعد في اللجَّةِ، فإنهم يتوقعون رَجَفَاته وغرقه. كما لا يتنعمون بذلك الهدوء الذي كان له أولاً، لأنهم لا يطمئنون جملةً، حتى يصلوا إلى الميناءِ»، نعم لأن كثيرين كانوا على فمِ الميناءِ، ولكنهم عطبوا.
وقال أيضاً: «إذا نال إنسانٌ طِلبتَه، فلا يُعجب بنفسِه، بل يتضع بالأكثرِ، ويتعجب من رحمةِ اللهِ».
وقال كذلك: «إن الذي يلتقي بالناسِ، أما بوجهِهِ فيجبُ أن يكونَ باشاً، وأما بقلبهِ، فليتنهد».

من أقوال الأب الروحاني المعروف بالشيخ بخصوص التوبة




من أقوال الأب الروحاني المعروف بالشيخ
بخصوص التوبة
فمُ العفيفِ يتكلمُ بالطيباتِ، ويلذِّذ صاحبَه، ويُفرِّح سامعيه. مَن كان كلامُه مرتباً وعفيفاً، وهو طاهرٌ بقلبهِ، فهو ابنُ ميراثِ المسيحِ، ومن كان كلامُه بقلقٍ ومعكَّر بالحردِ، فهو شيطانٌ ثانٍ. فمُ الطاهرِ النفسِ يتكلمُ كلَّ ساعةٍ على خالقِهِ، ومن يسمعه يفرحُ ويقتدي به. فمُ الجاهلِ يفيضُ مرارةً، ويقتلُ صاحبَهُ، ويُسكِرُ الذين ينصتون له، وما أوفق ذلك اللقب الذي أعطاه له سليمان، إذ لقَّبه بالخنزير، يا ربُّ خلصني من لقائهِ.
من يترحم على إنسانٍ، فإنَّ بابَ الربِّ مفتوحٌ لطلباتِه في كلِّ ساعةٍ. ذو الإفراز، بكسرةِ خبزٍ يشتري لنفسِه الملكوتَ، ومن يفرق مالَه بغير إفرازٍ، فباطلٌ هو عمله. من يُكثِر كلامَه، ويرفع صوتَه، فهو ناقصُ الرأي. الذي يلطِّف كلامَه ويتماكر ليضرَّ فهو شيطانٌ ثانٍ. من يصنع صلحاً بين الحرودين، ابن الله يُدعى، ومن يسجس ويعكِّر ويوصِّل كلاماً شريراً من واحدٍ إلى واحدٍ، فهو رسولُ الشيطانِ، وهذا تبيده النار.
من يفرحُ بحسناتِ كلِّ الناسِ، تفيضُ عليه الحسناتُ من الربِّ، ومن يَحزن بصلاحِ حالِ الآخرين، فليس بعد ذلك من شرٍّ، وبسرعةٍ يكون انكساره. الذي يتوب عن سيئاته، ولا يعود إليها أيضاً، حتى ولو كانت قبيحةً سمجةً، أكثر من خطايا السدوميين، ويُظهر من أجلِها وجعَ قلبٍ وندامةً ودموعاً، وبالجملةِ يقطعُ منه كلَّ الشرورِ، فمن ساعتِه يُولدُ من الروحِ القدس، ويكونُ من أحباءِ الله الخصوصيين، وبدالةٍ يأخذُ طهارةً معتوقةً من خزي المجرمين، وتُعادُ إليه بتوليةٌ لم تتدنس البتة، ويُدعى زرعاً إلهياً لم يخطئ قط، ويقبل في قلبهِ عربوناً بثباتِ رجائهِ، وتعطيه الرحمةُ الأبويةُ ثقةً واتكالاً ونسياناً للخطيةِ بالكمالِ من قلبهِ كأنها لم تكن.
أيتها الرحمةُ الفائضةُ، ما أوفرك يا مَن أَعطيتِ لنا نحن الموتى بالخطايا رَحِماً مقدساً الذي هو التوبةُ، يلد بنينَ جدداً من عتقٍ، أطهاراً من أنجاسٍ، منيرين من مظلمين. من لا يعجب من رحمتِك يا ربنا؟ ومن لا يعترف لنعمتِك؟ يا من أتيتَ إلى الميلادِ لتلدنا من بطنِ التوبةِ على شبهك كشبه مريم والدتك. السُبح لك يا آب الكلِّ، يا من أعطيتنا أمًّا جديدة بالميلادِ الجديد، وإن كنا بصبوتنا قد تنجسنا بكل نتنٍ، لكنها تُجلِّي وتطهِّر، وتحسِّن، وتغطي تحت أطرافِها مثل المربية، أولئك الذين وُلدوا منها حتى يصلوا إلى عندك محبوبين وأحباء، ليكونوا آلهةً وملوكاً، بنينَ لربوبيتك.
وإن كنتَ يا أخي تقول: «كيف تقدرُ التوبةُ أن تجددَ الإنسانَ الذي قد تدنس وفسد بالخطيةِ؟» فأقول لك: «اذكر تكوينَه الأول، ومِن أيِّ شيءٍ صار، أعني من شيءٍ حقيرٍ وسمجٍ في البطنِ الضيقِ المظلمِ، وكما رَكَّبت نعمةُ إلهنا المادةَ المنتنةَ في البطنِ المظلمةِ مكملةً تكوينَه، وأخرجته إلى نورِ هذا العالمِ. كذلك الذي أفسدَ طهارتَه بعد المعموديةِ بفعلِ الشيطانِ، واتسخ بجميعِ جراحاتِ الخطيةِ النجسةِ، بالميلادِ من حِضْنِ التوبةِ الكئيب المظلم، يخرجُ لنورِ عالمِ الروح، الذي أخذ سرَّه بالمعموديةِ المقدسةِ».
«وكما أن ذلك المني السمج، إن رُمي في أرضٍ واسعةٍ مضيئةٍ، ولم يدخل البطنَ الضيقَ المظلم، يكون بلا منفعةٍ ولا يتشبه بالذي ولده، هكذا الذي تسمج بالخطيةِ، إذا لم يدخل البطنَ (أي التوبة) الضيق المظلم، فإنه يكون بلا منفعةٍ، وغيرَ متشبه بمن ولده في المعموديةِ المقدسةِ. وكما أن آدم الجَسَدَاني، من حواء يُولد له بنون بشبهِه لعالمِه الجسدي، كذلك المسيح، آب العالم الروحاني، من المعموديةِ والتوبةِ، يُولد له بنون بشبهِه للعالم الروحاني، كما ينادي لهم رأسُ حياتهم قائلاً: توبوا، فقد اقترب ملكوتُ السماوات».
«فكيف نجدها إن كانت قريبةً؟ يا أبانا أرنا إياها». «إنها على البابِ اللطيفِ الضيق، وكلُّ من يصبر لصعوبته المظلمة، ويخرج منه، لوقته يلقَى ملكوت النورِ ويتنعم، وذلك الباب الذي لمدخل الحياة، فإنه في أيِّ بلدٍ يوجد داخلكم، وبابها هذا، هو التوبةُ. إن التوبةَ تعيد حياةَ المعموديةِ التي للغفرانِ، وكما أن المني الحقير بالبطنِ المظلمةِ يقتني شبه أقنوم آدم، كذلك والإنسان السمج بالخطيةِ، إن كان يدخلُ لكورِ غليان التوبةِ، يَجلَى ويَطهُر ويقتني بالنعمةِ المجدِّدة، شبهَ حُسنِ المسيح شعاع الآب».
«التوبةُ هي أمُ الحياةِ، وطوبى لمن يُولد منها، فإنه لا يموت. وكما ينادي المسيحُ لخواصِّه بالتوبةِ، كذلك يُبعدُ الشيطانُ الناسَ عن سماعِ هذا النداءِ، وبالشطارةِ واللهو يغطي قلوبَهم».
«التوبةُ هي ترياقٌ لأوجاعِ الخطيةِ القاتلة، وعذابٌ عظيمٌ للشيطانِ مضادها. إنها تُخلِّصُ وتعتق المسبيين الذين سُبوا بشرِّهِ، وأتعابُه التي تعبها في سنين كثيرةٍ، تُضيِّعها التوبةُ في ساعةٍ واحدةٍ، والعبيدُ الذين بمشيئتِهم أخضعوا حريتَهم له، تعيدُهم إلى ميراثِهم، وتعذِّب مَن خدعوهم. زرعُ الشوكِ الذي زُرع بأرضنا، ورُبيَ بحرصٍ في سنين كثيرةٍ، في يومٍ واحدٍ تحرقه، وتطهِّر أرضَنا، حتى تعطي أثمارَ زرعِ فلاح المسيح ثلاثين وستين ومائة. الحصون التي بناها في زمانٍ طويلٍ، ليسجنَ فيها أسراه، الذين سُبوا في الظلمةِ، بقمرٍ صغيرٍ يشعُّ فيها فتُهدَم، ويشرق النورُ في وجوهِ الجالسين في الظلمةِ، ورباطاتهم تنقطعُ، وأحزانُهم تُستبدل بالسرورِ، ودموعُهم بالفرحِ، أما رابطهم، فإنه يُربط بسيورِ الظلمةِ، ويُسلَّم بأيديهم للعذابِ. كلُّ فلاحتِهِ تفسدُ، وكلُّ الأوجاعِ التي صنعها بغيرِ عبيدِه، تطيبُ وتُشفى، وكلُّ قتلاه يقومون، وكلُّ فخاخهِ تنكسر، وكلُّ أشراكِهِ تقطع، وتهيئ الطريقَ قدام محبيه، حتى يمشوا بلا عثرةٍ في طريقِ المسيحِ واهبها».
«إنها (التوبةُ) تجعل الزناةَ بتوليين، كما تَجلي النوراني الذي علاه الصدأُ. إنها من الماخورِ إلى البريةِ تجتذبُ لعملِ الملائكةِ، والمضيئون الذين حقَّروها تركتهم، فنزلوا إلى الجحيم السفلي. هي تَدخلُ إلى مخادع الزانياتِ، وتجتذب الزناة، وتلدهم من حضنها بتوليين للمسيحِ. تردُّ الكافرين إلى الرسوليةِ، والرسل الذين نزعوها لبسوا الظلمةَ. إنها لِباسُ العالي، وللابسيه تُلبس مجدَ يسوعِ رداءً. هي تجتذبُ من الطرقاتِ إلى الملكوتِ، ومن بين السياجات تُدخل إلى العرسِ. إنها من السوءِ تصونُ المضيئين، وتجعلُ العميان مبصرين. هي تقلع الشجرةَ التي أثمارُها سمُّ الموتِ، وشجرةُ الحياةِ تُغرس بفردوسنا. هي حاملةٌ براحتِها طيبات النعمةِ، والذين نتنوا بالنجاسةِ، إن قبلوها تطيب. إنها قائمةٌ ببابِ الختن السماوي، وكلُّ من عبر بها استقبل وجهَه بيدِها، ووضعوا إكليلَ العرسِ، وكلُّ من تطامن قدامها، جعلته متكئاً في الحَجلةِ، بيدها وضعوا مفاتيحَ ملكوت السماواتِ، فكلُّ من أحبها وعشقها جعلته أميناً».
«هي هي أمُّ النورِ، وكلُّ من وُلد منها، أنبتت له أجنحةً من نارٍ، ومع الروحانيين يطيرُ إلى العلا، وكلُّ من نَتَفَ الصيادون ريشَه، واستتر تحت أحضانها أياماً قلائل، أخذ منها ريشاً طياراً نارياً، أفضل وأخف من الأول».
هي هي ملحمةُ الطبِ السماوي، ومن وضعها على وجههِ برئ لوقته، لا تقطع بموسى ولا تُصعِّب الأوجاعَ بالكي. بالرحمةِ مخلوطٌ أدويتها، وباللين تجبرُ الانكسارَ. سمُّ الموتِ واللهو والشغب، هذه بيديْ الشيطان، أما التوبةُ فهي ترياقُ الحياةِ بيد اللهِ، وكلُّ من سبق وشرب من كأسِ القاتلِ، يتقدم ويشرب من كأسِ المحيي للكلِّ، فيعيش بلا نهايةِ. إنها تزورُ الأمواتَ، وكلُّ من بلعَه الموتُ، ودنا من أحضانِها، شقَّت الموتَ وأخرجته من جوفِه. ترى العُمي كلَّ يومٍ يبكون على بابها، فتجتذبهم وتريهم نورَ الفرح. ترى القتلى الذين قتلهم الشيطانُ، وتستدعيهم لتقيمهم قيامةً متقدمةً. هي خزانةُ بني مخلصنا، وفيها يحفظُ جميعَ غنى أعمالهم. هي بحرٌ لغسلِ جميعِ النجسين، وكورٌ، غليانُه يَجلي كلَّ من علاه الصدأ. هي نارٌ محرقةٌ للزوان، ومياهٌ تربي الزروعَ المقدسةَ. هي فردوسٌ يطيب الخواص، وتخرِّب وتهدم جميعَ العُصاة. إنها أرضٌ تربي بني النور، والمطهرةُ بيدِها الذي يتنجس. هي مولِّدةٌ لأجنةِ بني العلي، ومربيةٌ لتابعي المسيح. إنها حصنٌ تحفظُ كلَّ ما بداخله، وجبارٌ يردُّ كلَّ ما سُبي. هي هيكلٌ للأممِ الطاهرةِ، ومنها يأخذون قدساً لقدسهم. هي بيتٌ وملجأٌ للأشقياءِ، فتجعلهم وارثين للملكوتِ. هي خزانةٌ لجميعِ الكنوزِ، فكلُّ من قرع بابها، أخذ منها حاجتَه. هي والدةٌ لم يجف حضنها، وكلُّ من كان عاقراً وقرب منها، أخذ له منها أولاداً محبوبين. هي بوابةٌ قائمةٌ ببابِ الخالق، وكلُّ من وجب عليه الحكمُ وتقرَّب سائلاً إياها، دخلت وحلَّته. بيدها موضوع رشاش الماء، وبلوغ إدرار المطر، فمن دخل والتجأ بها، فتحت ورَوَتْهُ. إنها تقوم ببابِ الله، وكلُّ الخيرات التي تخرج من عنده، تجتذبها لخواصها. هي شفيعةُ المسبيين، فإذا تقدموا وسألوها تقوم لحمايتهم وتعتذر عنهم».
«فمن ذا الذي لا يحبك أيتها التوبة، يا حاملة جميع التطويبات، إلا الشيطان، لأنك غنمت غناه، وأضعت قناياه، وجعلتِهِ فقيراً معذباً من كسبهِ، وفارغاً من الإرثِ الذي سباه بغير حقٍ. ذاك هو مبغضُك بالحقِ، لأنك دائماً تضادينه، فما من إنسانٍ وقع بين يديه، ولحقتِ به، وصار فريسةً لغذائه؛ وما من إنسانٍ دعاكِ وهو بين أسنانه، إلا وتكسرين أسنانه، وتخلصيه. كما أنه ما من أحدٍ بلعه، فصرخ نحوك، إلا وشققتِ بطنه وأخرجتِهِ، وما من شخصٍ ربطه، إلا وعاجلاً قطعتِ أغلالَه وحللتِهِ. وما من إنسانٍ صاده وأنت بعيدة، ودعاك، إلا وبسرعةٍ لحقتِ به وخلصتِهِ. من أجل هذا، هو يبغضُكِ، لأنك بالأكثر أبغضتِهِ، يبغضُكِ لأنك كلَّ حينٍ تقفين ضده. يبغضُكِ لأنه مبغضٌ لمعطيكِ، وأنتِ أيضاً ضده كما أن صاحبَك ضده كذلك».
«ليس مَن تمسَّك برجائِك، ونزل إلى الجحيمِ، ولا مَن صعد إلى السماءِ بدونِك. من يرى اللهَ بغيرِك؟ مَن تمسَّك برجائك ووقع في يدِ الشيطانِ؟ ومَن تطهَّر ولم تكوني أنت التي غسلتِهِ؟ مَن تقدم لمطهرتك، ووُجدَ فهي نجاسةٌ؟ مَن الذي سقى زرعَه من مطرِك، ولم يحصد منه أثمارَ الفرحِ؟ مَن ذا الذي تقدَّم لطبك، ولم يكن بعيداً من كلِّ العاهات؟ ومن صبغَ كلَّ ساعةٍ وجهَه بقطراتك، ولم يبصر اللهَ في قلبهِ؟ مَن ذا الذي عدم تذوق مشروبك ولم يبصر قلبُه ينبوعَ الظلامِ؟ من نال طلباته ولم تكوني أنتِ التي رفعتِ من شأنه؟ مَن اتخذك شفيعةً ولم تفتحي أمامَه أبوابَ خزائنِ الله؟ ليس مَن أخذك معه في القتالِ، إلا وأسلمت أعداءَه تحت حربتِه. ليس من لبسك مقابل مضاديه، إلا وانهزم قدامه مبغضوه».
«أنتِ خلصتِ داودَ من الخطيةِ، وأنتِ التي وقفتِ في وجهِ أخآب الكافر. صعد الحكمُ على أهلِ نينوى بالهلاكِ، ولكنكِ تجبرتِ وقمتِ وخلصتِهم. مباركةٌ أنت يا أمُّ الغفرانِ، يا من أعطانا إياك الآبُ المملوءُ رحمةً، لا يغضبك إذا طلبت إليه، لأنه أعطاك أن تكوني شفيعةً للخطاةِ، لا يغلق بابه إن سألتِهِ، سلَّم لكِ مفاتيح الملكوت».
«لقد اقترب الملكوت، فتوبوا فها هو الخاتم الذي يأخذه معه الوارثون للملكوتِ، توبوا فقد قَرُبَ الملكوت. الجيلُ القديم الذي لم يشرب مشروبك خنقه سَخطُ الطوفانِ، سادوم التي لم تُرِد أن تَقبلكِ، أحرقتها النارُ السماوية. فرعون الذي طردك من عنده، تعذَّب في الأمواجِ الخانقةِ».
«إنها تردُّ الأتعابَ التي ضيعها الشيطانُ، وتعطي العطايا السماوية. هي التي تجدد البتوليةَ التي اتسخت، وتحفظ بلا عيبٍ تلك التي لم تفسد بعد. المسيحُ جاء وخلَّصنا، وبصوتِه نادانا قائلاً: توبوا فقد اقتربَ الملكوت. له المجد إلى الأبد آمين».
وقال أيضاً: «من يَحذَر بلسانهِ، فلن يُسلَب كنزُه منه إلى الأبدِ. فمُ الساكتِ يُترجمُ أسرارَ اللهِ، ومن يتكلم بسرعةٍ، يُبعد عنه خالقَه. من يستهين بذاته ويرذلها، يتحكم من اللهِ، ومن يَحسبُ نفسَه حكيماً، ترتفع منه حكمةُ الخالقِ. المسكينُ من متاعِ الدنيا، يستغني باللهِ. وصديقُ الأغنياءِ يتمسكن مما للربِ. من اعتاد كلامَ اللعبِ مفرِّجاً عن جسدِه ونفسِه، فذاك زانٍ، ومن يستأنس به فهو فاسق. المحبةُ المفرِزة للصبيان، هي زنى سمج أمام الربِّ، ولا يوجد جبرٌ لانكسارهِ. شابٌ يصاحب شاباً، فليبكِ عليهما ذوو الإفرازِ. الشيخُ الذي يحبُ صُحبةَ الصبيانِ، اعلم أن أوجاعَه أنجس من الصبيانِ النجسين؛ وإن كان يكلمهم بالأعاجيب، لكن قلبَه بالحمأةِ غارقٌ. يا أخي، إن عشتَ للعالمِ، فسوف تصبح حياً للعالمِ. واحدٌ بواحدٍ، فإن اثنين لا يوجدان مثل الكلمة الوحيد الذي له المجد إلى الأبد آمين».
وقال كذلك مما سَمع من الشيوخِ، أن واحداً منهم قال له: «في أيامٍ كثيرةٍ يَظهرُ لي أنّ استعمالَ الأطعمةِ زيادةٌ وفضولٌ، لأن حبَّ ربي يُكمِّل لي حاجتي، ويُنسيني الاهتمام بها».
كما قال أيضاً: «محبةُ المسيح غرَّبتني عن البشر والبشريات».
وقال آخر: «في خدمتي وصلاتي لستُ أعرفُ تعباً، لأنه ليست فيها حركةٌ من هواي، بل أظلُّ منصتاً للروحِ الساكن فيَّ وأتلذذ، وهذا هو المقصود بما قيل: إنّ الروحَ يصلي بدلاً عنا».
وقال شيخٌ آخر: «إن كان لسانُك غزيراً بحركاتِه، فقد انطفأت من قلبك الحركاتُ الطاهرةُ، أما إن كان لسانُك ساكتاً، وقلبُك يغلي بالحركاتِ الطاهرةِ، فطوباك، لأن حركتَه بالروحِ ترفعُك إلى هدوءِ الحياةِ. سكِّت لسانَك ليسكت قلبُك، وسكِّت قلبَك ليتكلم فيه الروحُ».
وقال آخر: «جاهلٌ، ذاك الذي يوجد في ذِكرهِ شيءٌ من العالمِ، ما خلا الميراث الذي يأخذه، أعني القبرَ فقط»، كما قال أيضاً: «إن كنتَ بالمسيحِ وُلدتَ، فكذلك أخوك، وعلى ذلك فأكثر من أخيك لا تحب نفسَك في شيءٍ ما».
وقال أيضاً: «إن كانت شهوتُك عالميةً، فهذه أيضاً كالكلابِ والخنازير، أعني بذلك (شهوةَ) البطنِ والزواج. أما إن كانت شهوتُك باللهِ، فهذه هي شهوةُ الملائكةِ».
كذلك قال: «إنه هوى شيطاني بالراهبِ، الذي يحتفظُ لديه بقوتٍ غير قليل، ذلك لأنه يذخر ما لا حاجة به إليه، أما الصدِّيقُ فإنه يُلقي على الربِ همَّه، وبغيرِ همٍّ يفرقُ، من أجلِ ذلك فَيَدُ الربِ مفتوحةً قدامه وهي ممتلئةً، فيأخذَ ويعطي بسذاجةٍ بغيرِ فكرٍ. من يحفظ شيئاً زائداً لينيِّح به المحتاجين فهو حكيمٌ بحقٍ. من أجلِ هذا، إذ تَفرُغ يده، تجدها تمتلئُ كلَّ ساعةٍ، لأنه إذ أعطى، فله أن يأخذَ أيضاً. من ينيح آخر في ضيقته، فله هو أيضاً من يَهَبه نياحَ الحياةِ».
كما قال أيضاً: «الاتضاعُ هو أرضٌ حاملةٌ للفضائلِ، فإن هي عدمت الفضائل، فبالكمال قد هلكت».
ثم قال أيضاً: «وكما أن حمارَ المسكينِ، لكونه لا يجدُ قوتاً ليَشبعَ به، يُصبحُ هزيلاً ضعيفاً فتنطفئ منه شهوة الجماع، وإذا ركبه صاحبُه، سار به ذليلاً سهلَ الانقيادِ بسببِ خساسةِ مركوبه، هكذا الراهبُ الذي يقمعُ جسدَه بنقصِ القوتِ وخساسةِ الملبس، فإن الشهوةَ العالميةَ تنطفئ من جسدِه، ونفسُه تتضع بلا افتخارٍ».
«ليس هناك شفاءٌ لوجعِ المفتخر، لأنه بقدرِ ما يتعالى بأفكارِه بقدر ما ترتفع معرفةُ الله عن نفسِه، وإلى عمقِ الظلمةِ يهبطُ».
 
 
 
On Line
 

الأحد، 20 مايو 2012

أقوال بعضِ القديسين في الدينونة 4




أقوال بعضِ القديسين في الدينونة 4

الأب ألوجيوس: جاء عنه أنه كان قساً، وكان يتنسك نسكاً زائداً، يصوم يومين يومين، وفي مرات كثيرةٍ كان يطوي الأسبوع كلَّه صائماً، وكان أكلُه لا يزيد عن الخبزِ والملح فقط، فمدحه الناسُ كثيراً، ولذلك كثُر نشاطه. فقام ومضى إلى شيخٍ يُسمى أنبا يوسف، ليعطي له وصايا أصعب في الجهادِ. فقبله الشيخُ بفرحٍ، وما كان عنده من خيرٍ صنع له به ضيافةً، فلما قدَّم المائدةَ، قال له تلاميذه: «إن القسَّ لا يأكلُ سوى خبزٍ وملح فقط»، فلم يُجبهم أنبا يوسف، بل كان يأكلُ وهو صامتٌ. فأقاموا عنده ثلاثة أيام، ولم ينظروا أنبا يوسف يصلِّي أو يرتل، لأنه كان يجعل عملَه مخفياً، فخرجوا من عنده وما استفادوا شيئاً. وبتدبيرٍ من الله، قامت ريحٌ عظيمةٌ وحدث ظلامٌ، فلم يقدروا على المسير، ورجعوا إلى قلاية الشيخِ، فسمعوه يصلي صلاةً حارةً بتسبيحٍ، فوقفوا خارج القلايةِ مدةً كبيرةً، وفي النهايةِ قرعوا البابَ، فسكت وفتح لهم، وقبلهم فرحاً. ولأجلِ شدةِ العطش أخذ ألوجيوس إناءَ الماءِ ليشربَ، فوجده ممزوجاً من ماءِ البحرِ وماء النهر، فلم يقدر أن يشربه، فرجع إلى ذاتهِ مفكراً، وإنه وقع على رجلي الشيخ قائلاً: «ما هذا يا أبتاه، إننا لم نسمعك تصلي لما كنا عندك، والآن وجدناك مصلياً، وأيضاً كنا نشرب الماءَ  حُلواً، والآن وجدناه مالحاً». فقال الشيخُ: «إن الأخَ موسوسٌ فمزج الماء الحلو بماء البحر». فلم يقتنع القس ألوجيوس، وجعل يطلب إليه ملتمساً أن يعرفَ الحقَّ. فقال الشيخُ: «ذاك الماء أعددناهُ للمحبةِ، وهذا الماء الذي نشربه دائماً»، وأخذ الشيخُ في تثقيفه وتعليمه كيف يجبُ السيرَ بتمييز وإفراز، وكيف يقطعُ عنه الأفكارَ البشرية، كما علَّمه أن يكون مشاركاً (الإخوة) يأكل معهم ما يوضع قدامه، وأن يجعلَ عملَه مخفياً. فقال ألوجيوس: «بالحقيقةِ، إن هذا هو العمل».
سأل أخٌ الأب أورانيوس قائلاً: «كيف يأتي خوفُ الله للنفسِ»؟ فأجابه وقال له: «إن اقتنى الإنسانُ التواضع، ورفض المقتنيات، ولم يدن أحداً، فإن خوفَ اللهِ يأتي للنفسِ».
وقال أيضاً: «يجب أن تقتني لنفسِك دائماً تواضعاً وفزعاً وكثرةَ نوحٍ، وقلةَ طعامٍ».
وحدث أيضاً لما كان مبتدئاً، أنه مضى إلى أحد الشيوخِ، وطلب منه كلمةً، فأجابه الشيخُ: «إن آثرتَ الخلاص، فإذا اتفق وجودك عند إنسانٍ فلا تتكلم قبل أن تُسأل». وإذ أدرك معنى الكلامِ، صنع مطانية للشيخ وقال: «لقد درستُ كتباً كثيرةً، ولكن مثل هذا الأدب لم أعرف بعد». وانطلق منتفعاً.
جاء عن الأب إلاديوس أنه أقام بالإسقيط عشرين سنةً بقلايةٍ، لم يرفع عينيه لينظرَ سقفَها، وكان طعامُه خبزاً وملحاً دائماً، وإذا وافت أيامُ الفصحِ، كان يقول: «إن الإخوةَ يأكلون خبزاً وملحاً، فعليَّ أن آكل خبزاً وأنا واقف».
قال الأب أوغاريتوس: «إذا كنتَ جالساً في قلايتِك فاجمع عقلَك، واذكر يومَ خروجِك من الدنيا، وتَفَطَّن في موتِك، وتَفَهَّم التجربةَ التي تحل بك. والزم التعبَ لترضي الله. واحتقر أمورَ هذا العالم الباطل، ليمكنك أن تكونَ في الصمتِ دائماً. ولا تضعف، واذكر أيضاً يومَ القيامةِ ولقاءَ الله، وذلك الحكم المفزع، وما ينال الخطاةُ من الخزي أمام الملائكةِ والقوات وجميع الخلائق، واذكر الجحيمَ، وفكِّر في الأنفسِ التي تصير فيه، وأيَّ مرارةٍ هناك، وأيَّ فزعٍ وضيقٍ يقاسيه الخطاةُ، بلا منفعةٍ من ذلك البكاء النفساني الذي ليس له انقضاء، والعذاب الدائم في النار التي لا تُطفأ، والدود الذي لا ينام، والظلمة القصوى وصرير الأسنان، واذكر أيضاً الخيرات المعدَّة للقديسين، والفرحَ الدائم في ملكوت السماوات، والنعيمَ الأبدي، وكن دائماً متذكِّراً الفريقين، أما على الخطاة فابكِ ونُح، وجاهد ألا تصير إلى ما صاروا إليه، وافرح بما أُعدَّ للصديقين، واحسد سيرتهم وأعد نفسَك لتدركَ ما أدركوه، انظر، لا تنسَ ذلك، إذا كنتَ داخل قلايتك أو خارجها، لكي ما تقاتل الأمراض الرديئة بهذه الذكريات العتيدة».
وقال أيضاً: «ليست الحاجةُ ماسةً إلى كثرةِ الكلام، لأن كثرةَ الكلامِ غريزةٌ في الناسِ دائماً، إنما الحاجة ماسة إلى العمل».
كما قال أيضاً: «اقطع نفسَك من مودَّةِ الكثيرين، لئلا يكون عقلُك مناصباً لك، فيقلقل عادة السكوت».
كذلك قال: «ما أعظم أن يكونَ الإنسانُ بغير طياشةٍ في صلاتهِ، وأعظم من ذلك، أن يكونَ تحت الخليقةِ كلِّها».
وأيضاً قال: «أقرن محبةَ اللاهوتية بالجوعِ، لأنه يأتي بالراهبِ إلى ميناءِ عدم الأوجاع».
وحدث مرةً أن انعقدَ بالإسقيط مجلسٌ من أجلِ أمرٍ ما، فتكلم الشيخُ فيه. فقال له القس: «نحن نعلمُ يا أبتاه، أنك لو كنتَ في بلدِك لصرتَ أسقفاً أو رئيساً على كثيرين، فأما الآن، فإنك ههنا مثلُ غريبٍ». فهز رأسَه متنهداً وقال: «نعم، إنها مرةٌ واحدةٌ تكلمتُ فيها، وإن شاء الله لن يكونَ لها ثانيةٌ».
جاء إلى الأب زينون في بلاد سوريا أخٌ مصري، وأعلن له أفكارَه، فتعجب الشيخُ قائلاً: «إن المصريين إذا ما كان عندهم فضيلةٌ كتموها، وما ليس عندهم من الزلاَّتِ، نسبوه إلى أنفسِهم، وذلك بخلاف ما يفعل الناسُ، الذين إذا فعلوا خيراً تكلموا به وأظهروه، والزلات يكتمونها».
وسأله إخوةٌ قائلين: «ما معنى المكتوب: إن السماوات ليست نقيةً قدامه»؟ فأجابهم: «إن سكانَ الأرضِ أهملوا الفحصَ عن تطهيرِ خطاياهم، وصاروا يفحصون السماوات، فهذا القول، لما كان هو وحدُه طاهراً، لذلك قيل إن السماوات غيرُ نقيةٍ إزاءه».
ودفعة كان سائراً بإحدى نواحي فلسطين، فتعب وجلس ليأكل بقربِ حقلِ قثاء، فقال له فكرُه: «خذ لك ثمرةً من ثمار القثاء وكلها، فماذا يصيبك من هذا»؟ فأجاب فكرَه قائلاً: «إن اللهَ قال لا تسرق، والذي يخالف وصايا الله يلقيه في النارِ، فجرِّب أنت نفسَك أولاً، إن كنتَ تحتمل النارَ»؟ فوقف تحت أشعةِ الشمسِ المحرِقة عارياً مقدار ساعة، حتى التهب، حينئذ قال لفكرِه: «إذا كنتَ لا تحتمل العذاب، فلا تسرق ولا تأكل المسروقَ».
وقال أيضاً: «من يريد أن يسمع الله صلاتَه بسرعةٍ، فإنه إذا وقف يصلي، ليبسطَ يديه أولاً، ويطلبَ من أجلِ أعدائه بضميرِه كلِّه، قبل أن يصلي من أجلِ نفسِه، فبهذه الفضيلةِ يستجيب الله له في كلِّ ما يسأله».
أضاف الأب إشعياء الإسقيطي إنساناً من الإخوةِ، فغسل رجليه، وجعل قليلاً من العدسِ في القِدرِ، ووضعه على النارِ، وما أن غليَ، حتى رفعه عن النارِ. فقال له الأخُ: «أيها الأب، إن العدسَ لم ينضج بعد». فقال له الشيخُ: «ألا يكفيك ما أبصرتَه من النارِ، لأنه غذاءٌ عظيم».
وقيل إنه أقام مدهً من الزمانِ وهو عُريان، بلا ثوبٍ في البريةِ، فأوحى اللهُ إلى بعضِ الشيوخِ أن يمضيَ إليه، ويستر عورتَه، لأنه ردَّ غضبَ اللهِ عن العالمِ كلِّه. فلما جاءه الشيخُ أخبره بالأمرِ، فقال: «أما يوجد في العالمِ عريانٌ غيري»؟
قال الأب إيليا: «إني أفزعُ من ثلاثةِ أشياء: أفزع من وقتِ خروجِ نفسي من جسدي، ومن لقاءِ الله، ومن خروج القضيةِ عليَّ».
وقال عنه شيخٌ: إنه لمحبتِهِ في الوحدةِ أقام في بربا خربةٍ، فأتاه الشياطين قائلين: «اخرج من هذا المكان لأنه موضعنا». فأجابهم الشيخُ: «أنتم ما لكم مكانٌ». فبددوا خوصَه، وقالوا له: «اخرج من ههنا». فقام وجمعه، وجلس يُضفِّر وهو صامتٌ، فبددوه له أيضاً قائلين: «اخرج من موضعنا». فقام أيضاً وجمعه وجلس صامتاً. ثم أن الشياطين أمسكوا بيدِهِ، وبدءوا يجرُّونه إلى خارجٍ قائلين: «لا تُقم ها هنا، لأنه موضعنا». فلما بلغ البابَ أمسكه بيدِهِ وصرخ قائلاً: «يا يسوعَ المسيح إلهي أعني». وللوقت هربت عنه الشياطين. فابتدأ الشيخُ يبكي، فجاءه صوتُ الربِّ قائلاً له: «لماذا تبكي»؟ فقال الشيخُ: «كيف لا أبكي وهؤلاء يتجاسرون هكذا على محاربةِ خليقتك»؟ فقال له الربُّ: «إنك أنت الذي توانيتَ، فلما طلبتني وجدتني».
القديس تادرس الفرمي: كان قد اقتنى لنفسِه ثلاثة أناجيل ثمينة، فمضى إلى الأب مقاريوس وأخبره بأن لديه كتباً جيدة، وسأله هل يبقيها لمنفعتهِ ومنفعة الإخوةِ، أم يبيعها ويدفع ثمنها إلى المساكين. فقال له: «أما العملُ فجيدٌ، لكن تركَ المقتنيات أفضلُ منه». فمضى وباع الكتبَ، وفَرَّق ثمنَها على المساكين.
وحدث مرةً أن جاءه أخٌ كان جالساً في قلايتِه، فتقلقل في الوحدةِ، فلما عرَّفه بذلك، قال له الشيخُ: «امضِ ودَع فكرَك، واترك الوحدةَ الآن، واجلس في الطاعةِ مع آخرين حتى يسكن العاصفُ». فمضى إلى جبل السلوى، وسكن مع الإخوةِ، وبعد قليلٍ عاد إلى الشيخِ، وقال له: «ومع الإخوةِ ما وجدتُ راحةً». فقال له الشيخُ: «مع الإخوةِ لا تستريح وفي الوحدةِ لا تتنيح، فلماذا لبستَ لِباسَ الأجنادِ المجاهدين؟ فما سَمَّيْتَ نفسَك راهباً، إلا لتتحمل الضربَ والطعنَ والأحزان، وأقلها الجوع والعطش. كم سنةً لك في الإسكيم»؟ فقال له: «ثماني سنين». فقال له الشيخُ: «يا ابني، إن لي في الإسكيم إلى يومنا هذا سبعين سنةً، لم تخلُ يوماً واحداً من الأحزانِ المرة، وأنت في مدى ثماني سنين تريد النياح». فلما سمع هذا الكلام من الشيخِ تعزَّى ومضى وسكن وحدَه، وبدأ يلبسُ عُدة الحرب، وأخذ بيدِه التُرسَ المنيع، أعني الإيمان الصحيح، ووضع على رأسِه خوذةَ الخلاص، أي الرجاء والتصديق بما في الكتبِ، حاذياً قدميه ببشارةِ الإنجيلِ، وهكذا أخذ يُثبِّتُ نفسَه بتدبيرٍ حسن، حتى انحلت عنه قوةُ المعاندِ.
كذلك حدث مرةً أن جاء إليه أخٌ، هذا طلب إليه مدة ثلاثةَ أيامٍ، كي يسمعَ منه كلمةً، فلم يُجبه بشيءٍ، فمضى حزيناً، فقال له تلميذُه: «يا أبتاه، لماذا لم تُجبه بشيءٍ، فقد مضى حزيناً»؟ فأجابه الشيخُ قائلاً: «يا ابني، إني ما سكتُّ عن الكلامِ إليه إلا لكونِه بياعاً، يؤثر أن يتمجدَ بأقوالِ آخرين».
ومرةً أتى إليه أحدُ الشيوخِ، وقال له: «إن فلاناً الأخ رجع إلى العالمِ». فقال له الشيخُ: «لماذا عجبتَ من هذا؟ لا تعجب، لكن اعجب بالأحرى إن كان هناك إنسانٌ هرب من العالمِ».
وأيضاً أتاه أخٌ مرةً، وابتدأ يكلِّمه ويستقصي عن أمورٍ ما توصل إليها بعد، حتى ولا مارسها قط، فقال له الشيخُ: «إنك لم تجد السفينةَ بعد، ولم تركبها، فكيف تدَّعي وصولك إلى المدينةِ قبل ركوب السفينةِ؟ أَولى بك ألا تتحدث في أمرٍ ما، إلا بعد ممارستِه أولاً».
كما جاء مرةً إنسانٌ يبيع بصلاً، فابتاع منه كيْلاً، وقال لتلميذِهِ: «امضِ واملأ الكيْلَ قمحاً». وكان يوجد نوعان من القمحِ، نوعٌ مُنقى والآخر غَلَث، أي غير مُنقى، فمضى التلميذُ، وملأ الكيلَ من القمحِ غير المنقى، فنظر إليه الشيخُ بحزنٍ، فوقع الكيْلُ وانكسر، وصنع له الأخُ مطانيةً، فقال له الشيخُ: «ليس الخطأُ منك، لكني أخطأتُ إذ قلتُ لك». ثم أنه دخل فملأ حِجرَه من القمحِ المنقى ودفعه للرجلِ مع البصلِ».
وقيل عنه: إنه لما كان جالساً في قلايتِه في الإسقيط، أتاه شيطانٌ محاولاً الدخول، فربطه خارج القلاية، ووافاه شيطانٌ آخر محاولاً دخول القلايةِ كذلك، فربطه أيضاً خارج القلاية. فجاء شيطانٌ ثالث، ولما وجد زميليه مربوطيْن، قال لهما: «ما بالكما واقفيْن هكذا خارج القلاية»؟ فقالا له: «بداخل القلايةِ من هو واقفٌ ليمنعنا من الدخولِ». فغضب الشيطانُ الثالث وحاول اقتحام القلاية، ولكن الشيخَ ربطه كذلك بقيودِ صلاتهِ خارج القلاية. فَضَجَّت الشياطين من صلوات الشيخ، وطلبت إليه أن يُطلقَ سراحَها، حينئذ قال لهم: «امضوا واخزوا». فمضوا بخزي عظيم.
وقيل عنه أيضاً: إنه أتاه بعضُ الشيوخِ فوجدوه لابساً ثوباً ممزقاً، وصدره مكشوف، وكاكوليته من قدام، واتفق وقتئذ أن وافاه إنسانٌ غني ليراه، فلما قرع البابَ، خرج الشيخُ وفتح له واستقبله، وأجلسه على الباب، فأخذ التلميذ قطعةً من ثوبٍ، وغطى بها كتفيه، فمد الشيخُ يدَه ورماها عنه. فلما انصرف ذلك الإنسان الرئيس، سأله التلميذ قائلاً: «يا أبتاه، لماذا صنعتَ هكذا؟ لقد أتاك الرجل لينتفعَ فلماذا شككته»؟ فقال له الشيخُ: «لماذا تدعوني أباً، ونحن بعد نرضي البشرَ، قد أضعنا الزمانَ، وجاز الوقتُ، فمن أراد أن ينتفع فلينتفع، ومن أراد أن يتشكك فليتشكك. أما أنا فكما أُوجد هكذا ألتقي بالناسِ». ثم أوصى تلميذَه قائلاً: «إن أتى إنسانٌ يريد رؤيتي، فلا تقل له شيئاً وعظياً، بل إن كنتُ آكل، فقل له: إنه يأكل، وإن كنتُ نائماً، فقل له: إنه نائم. وإن كنتُ أصلي، فقل له: إنه يصلي».
وسأله أنبا أبرآم مرةً قائلاً: «يا أبتاه، أيهما أحسن، أنقتني لأنفسنا كرامةً، أم هواناً»؟ فقال الشيخُ: «أما أنا فأشتهي اقتناءَ الكرامةِ، لأنها أفضل من الهوان، لأني إذا عملتُ عملاً صالحاً، وأُكرمت إزاءه، أستطيع أن أُلزم فكري بعدم استحقاقي للكرامةِ، وأما الهوان فيصدر عن أفعالٍ قبيحةٍ تُغضب الله، وتشكك الناس، والويل لمن تأتي من قبلِهِ الشكوك، وعلى ذلك فالأفضل عندي هو أن أعمل الخيرَ وأُمجَّد». فقال أنبا أبرآم: «حسناً قلتَ».